بلدة من لبنان


جرجوع

هلال مسجدها يعانق صليب كنيستها
جرجوع
بلدة الاصطياف والعلم والعيش المشترك

الملف من إعداد: نسرين جابر




إذا ذُكر الاصطياف، فهي عنوانه.. وإذا ذُكر العلم، فأبناؤها روّاده.. وإذا ذُكرت «العبادة»، فهي عباءتها... صدرها منشرح بالتنوّع والعيش المشترك الإسلامي المسيحي، وهي باختصار كما قال عنها الشاعر المرحوم علي سعيد مقلّد:

«بجرجوع هيك الله بينعبد
جامع صلاة وكنيسة عبادة للأبد
والشيخ بيدق الجرس يوم الأحد».
الجمعة الخوري بيعتلي عالمئذنة

إنّها بلدة جرجوع الجنوبيّة، زارتها «المغترب» التي أدركت أنّها بلدة مميّزة وليست بعاديّة، ففيها عوامل مختلفة طبيعيّة، جغرافيّة ومناخيّة، اجتماعيّة وتاريخيّة وثقافيّة كوّنت مجتمعة «لؤلؤة» فريدة أُضيفت إلى كنز لبنان الذي لا يُقدّر بثمن.
السكينة اختلطت بالقداسة فأطربت المكان وطيوره وسكّانه بألحان عذبة ينسى معها السامع همومه.. إليكم تفاصيل هذه البلدة وأهلاً وسهلاً بكم في جرجوع:

خصّها الله بموقع جغرافي استراتيجي جعلها واحدة من بين أهمّ قرى الاصطياف في لبنان وقبلة للسيّاح والمصطافين والباحثين عن جمال الطبيعة وهدوئها وسكينتها والهاربين من لهيب الصيف ورطوبته...
اسمها بالسريانيّة يعني «الهضبة» أو «المرتفع الأقرع» حيث أتت هذه التسمية نظراً لكونها كانت جرداء مقارنة بمحيطها الغني بالثروات الحرجيّة والأشجار والنباتات- وفق ما أشار أحد أبناء جرجوع وأستاذ التعليم الثانوي المتقاعد سامي حسين مشورب خلال حديثه لـ «المغترب»- والذي أضاف مشيراً إلى أنّ البلدة تتربّع على هضبة شاهقة جنوب جبل نيحا إلى الغرب من جبل الريحان، تنحدر شرقاً نحو وادي نهر الزهراني الذي ينبع منها وتطلّ على جبل الريحان المشترك مع جرجوع والمكسو بأشجار السنديان بشكل عام، وتنحدر جنوباً بانحدار بطيء حتّى بيادر البلدة، ثمّ بانحدار سريع حيث تطلّ على بلدة عربصاليم، وتنحدر غرباً باتّجاه بلدتَي حومين الفوقا وصربا عبر أودية قليلة العمق، أمّا من الناحية الشماليّة فتتّصل بجبل الحمى المكلّل بأشجار السنديان. ويُعتبر خراج بلدة جرجوع متّسعاً جدّاً بالمقارنة مع خراج البلدات المحيطة، نظراً للنمو العمراني اللافت الذي شهدته البلدة، حيث يصل إلى مداخل جبل صافي ومليتا وقرى اللويزة وعين بوسوار شمالاً، ومزرعة سجد شرقاً، وعربصاليم جنوباً، وحومين الفوقا وعين قانا غرباً.
يتراوح ارتفاعها عن سطح البحر بين 750 م إلى 1100 م، وتبعد عن العاصمة بيروت حوالى 65 كلم بالاتجاه جنوباً، وهناك مسالك طرق عديدة للوصول إليها. وتتبع إداريّاً لقضاء النبطيّة، وهي واحدة من قرى اقليم التفّاح الذي يضمّ 11 قرية.
يمتاز مناخها بالبرودة شتاءً والاعتدال صيفاً، وتحيط بها مناظر طبيعيّة وثروات نباتيّة تشكّل لوحات رائعة لا يقاوم الفرد الوقوف عندها. وفي هذا السياق قال مشورب: «على طرفها الجنوبي، نجد منطقة البيادر التي تطلّ على أجمل مناطق الكرة الأرضيّة حيث مجرى نهر الزهراني المكسو بأشجار الجوز والدلب، و«الشير» بصخوره الضخمة الشامخة و«النقيب» بزراعته الغنيّة. وإذا نظرت غرباً تتمتّع برؤية البحر المتوسّط، وخاصّة عند الغروب عبر الهضاب والأودية والقرى المنتشرة»... ولعلّ هذا ما جذب إليها الشاعر الفرنسي «لامارتين» الذي زار جرجوع في زمن الانتداب الفرنسي، ويُقال إنّه مرّ ببلدة «عين بوسوار» فنظر باتجاه الغرب ورأى الساحل أمامه عند الغروب، فقال: quel bon soir، فأطلق على تلك البلدة حينها «عين بوسوار» نسبة إلى «لامارتين».
المغاور والكهوف التي تمّ اكتشافها في محيط وادي الزهراني، والتي تحتوي على نواويس وعظام بشريّة تعود للانسان القديم، تؤكّد أنّ البلدة ومحيطها كانت مأهولة منذ فجر التاريخ.

ثروات طبيعيّة سياحيّة
جرجوع عائمة على قصر من المياه، فهي تمتلك ثروة مائيّة من خلال الينابيع والجداول التي تتفجّر في أنحائها، حيث تضمّ حوالى 360 نبعاً، إلا أنّ عمليّة نقل المياه إلى البلدة دونها صعوبات نظراً لتضاريسها، فالمياه لا تصعد إلى البلدة بواسطة عمليّة الجر بل تحتاج إلى عمليّة ضخّ لأنّ الينابيع تقبع تحت مستوى البلدة. هذا ما لفت إليه مشورب الذي تحدّث عن إنشاء خزّان مياه على ارتفاع 1100 م تُضخّ إليه المياه ليطاول البلدة كلّها.
من هنا، اشتُهرت جرجوع بالزراعة، ولا سيّما زراعة الخضراوات وأنواع الحبوب كافّة، إضافة إلى زراعة التفّاح والعنب الذي تستخرج منه المشروبات الروحيّة من عرق ونبيذ، وغيرها من الزراعات...
قديماً، تميّزت جرجوع بالصناعات الحرفيّة، أبرزها صناعة البسط والعباءات، صناعة الفخار التي برع فيها آل الصليبي وكان أشهرهم جرجس الصليبي وأخوه منصور، صناعة السلال، عصر الزيتون الذي كان يُعصر في معاصر القرية اليدويّة، طحن الحبوب حيث كان في منطقة منبع نهر الزهراني مطاحن خمس تُدار بواسطة المياه ولا تزال آثارها موجودة حتّى اليوم. والجدير ذكره أنّ المطاحن في جرجوع بُنيت حوالى عام 1870. كذلك اشتهرت جرجوع بصناعة المدافئ والأبواب الحديديّة والجرّارة، إضافة إلى صناعة أنابيب الاسمنت والأفران. من هنا، أشار مشورب إلى أنّ البلدة استقطبت الكثير من العائلات من القرى المحيطة لأنّ أفرادها كانوا يعملون في هذه القطاعات الصناعيّة.
«جرجوع أوّلاً هي بلدة اصطياف»، هذا ما أكّده مشورب عازياً ذلك إلى أسباب كثيرة منها ارتفاعها وموقعها المميّز ومناخها المعتدل صيفاً، وغنى محيطها بالثروات واللوحات الحرجيّة والنباتيّة المتنوّعة... وهذا ما شجّع على بناء بعض المقاهي والاستراحات والمنتجعات السياحيّة هناك، متطرّقاً إلى الفندق الذي كان موجوداً في جرجوع منذ حوالى العام 1920 وكان يُعرف بـ «أوتيل الحجّة وردة» والذي كان يستقبل الزوّار والوجهاء من أبناء صيدا والجوار، وكان من بين الذين نزلوا في هذا الفندق الرئيس عادل عسيران. ولا يزال بناؤه موجوداً حتّى اليوم ويحتاج إلى الترميم. كما لفت مشورب إلى معلم مليتا السياحي الواقع بين جرجوع وعين بوسوار، وموتيل متّى في منطقة مليتا وغيرها من المنتجعات والاستراحات التي تستقطب الزوّار من مختلف المناطق...

عائلات.. ونشاطات
يتراوح عدد سكّان جرجوع اليوم ما بين 4000 إلى 4500 نسمة، منهم حوالى 2000 ناخب.
سكّانها خليط من المسيحيين- الموارنة والكاثوليك- والمسلمين الشيعة، وقد وفد إليها البعض من أبناء بيروت واستوطنوها حديثاً من آل العانوتي وغيرهم...
في هذا السياق، لفت مشورب إلى أنّ نسبة المسيحيين في البلدة كانت في عهد المتصرفيّة عام 1860 تبلغ 66 %، بينما اليوم أصبحت العمليّة عكسيّة، وبات الشيعة يشكّلون 66 % والمسيحيون حوالى 34 %. عازياً أسباب هذا التراجع إلى الحرب العالميّة الأولى مع ما رافقها من مجاعة وانتشار الجراد، والتي دفعت أبناء البلدة من المسيحيين وبعض المسلمين إلى الهجرة وخاصّة إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة ودول أميركا الوسطى وأميركا الجنوبيّة، حيث اختفت بعض العائلات المسيحيّة بكاملها من جرجوع، كعائلات: مغيزل، أيّوب، بلان، الدولاب وغيرها... وهنا شدّد مشورب على ضرورة أن «تعمل الدولة اللبنانيّة لاسترجاع تلك الطاقات من أجل إعادة بناء الوطن، خاصّة أنّهم من الفئات المتعلّمة».
العائلات المسلمة: الشامي، مقلّد، مشورب، دويك (حجازي)، محيدلي، أبو زيد، درويش، لمع، فرحات، موسى، كركي وحمّود.
العائلات المسيحيّة: رزوق، رزق الله، منصور، طانيوس، عسّاف، خواجة، الصليبي، الفاخوري، العاقوري، سمعان، الأعرج، صهيون، الياس، قطامش.
لجرجوع مختاران أحدهما مسيحي والآخر مسلم. وفي ما خص العمل البلدي، فيعود تاريخ تأسيس أوّل مجلس بلدي في جرجوع إلى العام 1963 وكان برئاسة المرحوم الحاج حمد الشامي، وللمصادفة كان الأعضاء جميعاً من المسلمين فاستقال المجلس ليعيد مجيء أعضاء من المسيحيين تأكيداً على مبدأ العيش المشترك. أمّا المجلس البلدي الثاني فامتدّت مدّة حكمه لحوالى 30 عاماً وكان برئاسة المرحوم معروف موسى، وتبعه المرحوم محمّد موسى مقلّد (أبو غسّان)، ثمّ الحاج حاتم الشامي، وحاليّاً ومنذ العام 2016 يرأس بلديّة جرجوع الحاج علي داوود مقلّد، ونائبه هو عبد الله رزّوق الذي شغل منصب مدير عام بالوكالة لوزارة العمل.
وعن مشاريع البلديّة، فهي تنقسم إلى نوعَين: مشاريع تنمويّة كشق الطرقات الزراعيّة، وأخرى تجميليّة كدعم الجدران وإنشاء الحدائق العامّة. ومشاريع ضخّ المياه حيث إنّ «جرجوع مكتفية تماماً من هذه الناحية»، فضلاً عن المساهمات الاجتماعيّة والتربويّة التي تقدّمها البلديّة للمحتاجين من أبناء البلدة كونها عضو في اتّحاد بلدّيّات اقليم التفّاح...

جرجوع على ألسنة شعرائها



(سليم باسيلا)


(علي الحاج البعلبكي)


(أبو معروف الحاروفي)


(الياس الهاشم)


(أحمد السيّد)


(الياس أبي رعد)


(يوسف شلهوب)

علم وصحّة
لا أميّة بين أبناء جرجوع، هذا ما أكّده مشورب الذي أضاف: «منذ عهد الاستقلال زاد اتجاه شباب جرجوع نحو العلم والثقافة، فوصل عدد كبير منهم إلى مراكز مرموقة في الدولة، وتخصّصوا في مجالات مختلفة». وتضمّ جرجوع اليوم عدداً كبيراً من الأساتذة الجامعيين والتربويين والأطبّاء من مختلف الاختصاصات والعديد من المهندسين إلى جانب الإعلاميين وموظّفي الدولة من مختلف الفئات الوظيفيّة...
«أبناء جرجوع يحبّون العلم» هذا ما أكّده مشورب الذي وصف بلدته بأنّها «قرية علم»، وأضاف: «تمتاز بلدتنا بكون أبنائها ليست لديهم مبادرات اقتصاديّة وتجاريّة كغيرهم من أبناء القرى المحيطة، فجميعهم اتّجهوا نحو العلم، وتخرّج في الجامعة الأميركيّة الطبيب سليمان سمعان الذي هاجر فيما بعد إلى المكسيك، وهو أوّل طبيب من جرجوع، وتبعه طبيب الأسنان الدكتور فندي رزق الله الذي فتح أوّل عيادة طبّ أسنان في جرجوع.
في جرجوع يوجد مدرسة رسميّة، مسجدان (مسجد محمّد الظريف القديم، ومسجد الإمام حسن العسكري الجديد)، وكنيستان (كنيسة مار جاورجيوس وكنيسة أخرى للموارنة).
كما تضمّ البلدة مستوصفاً عمره 18 عاماً ومركزه في مبنى البلديّة، وعن هذا الجانب لفتت الممرّضة عفيفة شبّاني خلال حديثها لـ «المغترب» إلى أنّ المستوصف يضمّ أطبّاء من أبناء البلدة وسائر القرى، في مختلف الاختصاصات، واصفة الحركة بـ «الجيّدة نوعاً ما لكنّها ليست بكبيرة نظراً لأنّ معظم أبناء البلدة لا يقيمون بشكل دائم فيها». ولفتت إلى أنّ وزارة الشؤون الاجتماعيّة قامت بتجهيز المستوصف وتقدّم المساعدات له لكنّه يحتاج إلى دعم وإمكانات أكبر، حيث يضمّ المستوصف حالياً آلة للتخطيط وجهازاً لقياس نسبة السكّر...
تجدر الإشارة إلى أنّ أبناء البلدة يقصدون مستشفيات مدينة النبطيّة، وهذه ثغرة في الجانب الصحّي تعاني منها البلدة وفق ما أشارت شبّاني.

عيش مشترك
العيش المشترك سمة لافتة بين أبناء جرجوع الذين يتشاركون المناسبات والأنشطة كلّها، مسيحيّة كانت أم إسلاميّة، في الأفراح وفي الأتراح، ولا يزال هذا التعايش حتّى اليوم مكللاً بقيام جمعيّات ونوادٍ رياضيّة وثقافيّة واجتماعيّة تضمّ أعضاء من أبناء البلدة.
وداد الصليبي واحدة من أبناء بلدة جرجوع، وابنة موسى الصليبي الذي كان وكيل وقف كنيسة مار جاورجيوس في البلدة. تحدّثت لـ «المغترب» عن العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين في جرجوع، فقالت: «المسلمون من أبناء البلدة كانوا يشاركوننا في مناسباتنا الدينيّة بشكل لافت، حتّى أنّني ما زلت إلى اليوم أذكر وجوه وأسماء مَن حضروا وشاركوا، ونحن بدورنا نشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ويسود بيننا الانسجام الفكري، وهناك تشابه وتأثّر واحد من قبل الجميع تجاه بعض المواضيع وخصوصاً فيما يتعلّق باحترام المرأة وأمور الطلاق». وفي السياق نفسه أكّدت وداد التي تقيم في بيروت وتزور جرجوع كلّ أسبوع، أنّها تعشق مناخها المميّز، ثمّ إنّ وسائل الراحة كافّة باتت متوفّرة في البلدة، ما يدفعها إلى تشجيع أصدقائها على زيارة جرجوع والتعرّف إليها.
وأكّدت الصليبي وجود نشاطات كثيرة ومتنوّعة مشتركة تقام في البلدة، يشارك فيها الجميع، أبرزها العشاء القروي صيف كلّ عام، والذي يعكس مشهداً جميلاً من مشاهد العيش المشترك ويجمع أبناء البلدة جميعاً، وختمت قائلة: «جرجوع بيتنا، وأبناؤها عائلة واحدة، وهم جميعاً مخلصون لبلدتهم».

 


لدينا نشرة