في الذاكرة


وجيه نحلة..


وجيه نحلة..
فنّان خاطب جمال المرأة
والطبيعة بلوحاته
فكافأته الدولة بالإهمال والنسيان


بقلم: محمّد لمع
نائب رئيس اتّحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة في لبنان


وجيه نحلة والجمال صنوان لا يفترقان، فهو يحاكي الجمال بلوحاته ويُخيّل لمن يرى هذه اللوحات أنّه مسافر حقّاً في عيون الجمال.
فعندما يمتزج الحرف والصورة والشعور بالإحساس المرهف، بالتكنولوجيا وأحدث تقنيات العصر يكون الإبداع ويكون الفن الحقيقي.. وعندما تتماوج الألوان كقوس قزح، وتنساب كشلالات المياه هادئة حيناً وصاخبة حيناً آخر، وحين يمتزج جمال الطبيعة بالفروسيّة وبالمرأة تمتطي صهوة الحصان على أنغام صهيله تكون ذروة الابداع.

وجيه نحلة بالأحرف كتب وبالريشة رسم
بالألوان الناريّة، نار الفرسان والأبطال والمقاومين رسم، فتولّدت ما بين الكتابة والرسم ثورة، تبقى مشتعلة جذوة لهيبها ما بقي هناك فن وجمال وثورة وثائرون...
وجيه نحلة فنّان كبير من بلادي لم تنصفه بلاده، ولم يُعط حقّه من الاهتمام والرعاية، هو الذي طاف بلوحاته أرجاء المعمورة كلّها، من بلدان عربيّة إلى بلدان أوروبيّة إلى أميركا، وغزت مجسّماته ومنحوتاته العديد من ساحات بلدان الخليج العربي ولا سيّما المملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة، كما عُلّقت جداريّاته على العديد من جدران مطارات هذه البلدان.
وجيه نحلة، وإن لم يلقَ الاهتمام الرسمي كفنّان بدأت مواهبه الفنيّة تظهر وهو في الثالثة عشرة من عمره، فرسم أوّل لوحة في العام 1948 حين بدأ مشوار نجاحه على دروب الفن والإبداع، وكان يرسم لوحة في كلّ يوم حتّى غاب عنّا.
وجيه نحلة، هذا الفنّان الكبير وإن غاب جسده إلا أنّ أعماله ستبقى خالدة من بعده، وستبقى لوحاته تزيّن جدران الكثير من القصور والمنازل والساحات العامّة.

من البداية إلى النهاية
كان وجيه نحلة يتعامل مع لوحة المنظر الطبيعي مهتمّاً منذ ذلك الوقت بتفاعل حركة الألوان وتداخلها، متماهياً مع حركة الطبيعة وإن كان اتّجاهه نحو التجريد جعل لوحاته تشهد تطوّرات مختلفة، فمنذ البداية كانت مساحات التجريد بارزة وكانت الحريّة عنده تنبع من أمرَين اثنَين: من إطّلاعه في مراحل لاحقة على جديد العالم من جهة، ومن ابتعاده عن الأكاديميّة واتباع مزاجيته التشكيليّة من جهة أخرى، ما جعل حروفيته مختلفة ومشغولة بأسلوب خاص بعيد عن تجارب الآخرين، بل هو كثيراً ما اعتبر نفسه أوّل مَن بدأ رسم الحروفيّة العربيّة. 
في آخر معرض له أقامه في قصر الأونيسكو عام 2013، عرض وجيه نحلة 100 لوحة من أصل 5000 آلاف لوحة رسمها، حينها قال: «لديّ حوالى 400 لوحة و150 لوحة موزّعة كودائع وأمانات على أربعة غاليريهات في الولايات المتّحدة الأميركيّة، وثلاثة غاليريهات فرنسيّة وواحد في جدّة وآخر في جنيف».
وجيه نحلة ليس من الفنّانين الذين يجيدون الكلام عن أعمالهم، وليس من الفنّانين النقّاد الذين يعرفون كيف يقدّمون أنفسهم ويسلّطون الضوء على الزوايا المعتمة. ما إن تبدأ سؤاله عن أعماله حتّى يقودك بيده لترى بنفسك، وتقتصر تعليقاته على كلام قليل، ليتركك مع فنّه الكثير. فهو يُنجز أعمالاً أكثر بكثير ممّا يتحدّث عنها، ويضعك أمام عمر فنّي في دقائق معدودة لا يستطيع الكلام اختصارها، معتمداً على أنّ لغة البصر أقوى وأسرع من لغة اللسان. تحاول تحريضه قليلاً علّه يُفصح عن أسرار لوحته، فيردّ باختصار: «إنّه الوحي»، ثمّ يقول: «النور الذي تراه في اللوحة يسقط عليّ من فوق»، مشيراً إلى السماء، ثمّ يتابع: «أحياناً أذهب لأنام، فيأتيني وحي أو رؤيا فأنهض لأرسم ما رأيت».
ما يُطلق عليه «نورانيّة» يتمثّل بتلك المساحة المضيئة في اللوحة، أو بالتآليف التي يدخل الضوء جزءاً أساسيّاً فيها، يستعيد بها حركة الحصان من لوحاته القديمة، أو حركة رقص المرأة، أو حركة الطبيعة أيضاً، وقد يختفي الحصان وتختفي الرّاقصة وتختفي الطبيعة وتبقى الحركة، حركة الألوان أو لعبة الضوء.. ولا شكّ في أنّ وجيه نحلة من الملوّنين البارعين، يعرف كيف يهندس بناء اللون والحركة، فيصل بهندسته إلى الأبعاد الثلاثة أحياناً. لاعب حذق يأخذ ألوانه دائماً إلى فرح، والحركة إلى جموح يصل حافّة الخطر، والمادّة اللونيّة إلى موج يتهادى مرّة ويتضارب ويتكسّر عند حواف كأنّها منحوتة بتلقائيّة أو بلا حساب. هو يذهب دائماً إلى سحر العين، إلى إغرائها وجذبها، بل يتعامل مع أي عين، فلوحاته تخاطب الجميع، وقد ابتعد عن التعقيد وذهب في الوقت نفسه إلى صيغ لونيّة تخاطب البصر والمشاعر، وهو لا شك بقي في كلّ ما قدّم بعيداً عن اللوحة التي تحتاج إلى تفكير عميق أو تحليل صعب، ونأى بأعماله عن الخطاب السياسي أو التحريضي. ربّما في مراحله الأولى صوّر حالات اجتماعيّة وانسانيّة، الحزن والفقر والألم ومتاعب الحياة، إلا أنّه سرعان ما ابتعد عن تلك الهموم كلّها ليتحوّل إلى اللوحة الأنيقة الصالونيّة، التي تُدخل المتعة، والمتعة فقط، إلى عيون مشاهديها. كلّ همّه الجمال، خصوصاً جمال المرأة والطبيعة.
في تجريده ينطلق وجيه نحلة من الضربات الحرّة التجريديّة إلى الشكل، غير أنّ الشكل في الذاكرة، في عمق اللوحة، في تصويب التجريدات. ولعلّ أكثر ما يشدّ في اللوحات التي نفّذها قبل أن يداهمه المرض، تلك اللمسات البسيطة التي تشكّل مفتاحاً لمعرفة الموضوع، فهو يوحي بوجود شخص أو شجرة، فيكون هذا الإيحاء هو الضوء الذي نسلّطه على تجريدات اللوحة لنلتمس حضور مشهد طبيعي. لعبة ذكيّة تنقل اللوحة من أسلوب إلى آخر، بل من مجرّد حلم لوني إلى حلم يستفيق على واقع، من مجرّد لعبة جماليّة إلى حضور موضوعي. كأنّ هذا المفتاح هو السرّ الذي يسلّمنا الفنّان إيّاه لنتعامل مع اللوحة بقراءة جديدة.

مفتاح الواقع
كان وجيه نحلة يقول: «لا أرسم من دون موسيقى»، لكنّ حركة ألوانه هي الأخرى مسكونة بالموسيقى، التي تتشكّل بدورها إيقاعات تتّجه إلى الغنائيّة الرومانسيّة أكثر من أي اتّجاه آخر، وتتشكّل كأناشيد لونيّة. تتبدّل إيقاعاتها وتنحرف نحو خيارات منفتحة على آفاق تشكيليّة واسعة.

لوحات مطعّمة بالحروفيّة
حتّى إنّ وجيه نحلة عندما دخل مضمار الخط العربي في زخرفاته، أتى خطّه بعيداً عن القواعد الخطيّة، ما يؤكّد رغبته الدّائمة في الابتعاد عن الآخرين في تجاربه الفنيّة، وبحثه عن بصمته الخاصّة. وإذا كان الفنّان قد كثّف حروفيته في مرحلة الخمسينيّات وصولاً إلى العام 1962، إلا أنّه بقي يطعّم لوحته بالحروف العربيّة، مثلما كان من قبل يطعّم حروفيته بالتشخيص. ذلك أنّه يبحث دائماً عن مفردات ذات علاقة بالهويّة العربيّة، تلك الهويّة التي بقي مصرّاً على وجودها حتّى في لوحات التجريد، أو ما يسمّيه هو باللوحات «النورانيّة». فمن الحرف إلى الزخرفة الشرقيّة، إلى استخدام الحصان العربي في عدد كبير من أعماله، إلى استخدام شكل العمارة الإسلاميّة والشرقيّة، إلى استخدام اسم الجلالة في منحوتاته، فهو يقول: «كنت في المملكة العربيّة السعوديّة، وفكّرت في منحوتات توضع في أماكن عامّة، والتشخيص محرّم عندهم، ففكّرت في استخدام اسم الجلالة (الله) في منحوتات شكّلت منها الكثير، وقد صمّمت منحوتة لجامعة الملك عبد العزيز في الرياض، نُفذّت في إيطاليا، وبلغ وزنها خمسين طنّاً. نفّذت منحوتات أخرى منها منحوتة لنادي الطيران السعودي، ومنحوتة «الأرز» في ساحة لبنان في أبو ظبي، والجداريّة الحروفيّة التي يبلغ عرضها 22 متراً والموجودة في مطار الملك خالد، وعدد من المنحوتات الأخرى في السعوديّة ودول خليجيّة أخرى ولبنان...
وجيه نحلة فنّان عبقري، لن يتكرّر مرّتَين.. لن نقول لك يا وجيه وداعاً، بل سنقول لك إنّك باقٍ بيننا، نراك كلّ يوم في كلّ عمل فنّي قمت به.

 


لدينا نشرة