موضوع الغلاف


نعمة افرام

رئيس  «المؤسّسة المارونيّة للانتشار» والرئيس التنفيذي لمجموعة «اندفكو»
نعمة افرام:
لبنان بحاجة لمشروع انقاذي كخطّة «مارشال»

 

اعداد: جوهرة شاهين

يحتار المحاور من أين يبدأ حديثه مع نعمة افرام، هل من مجموعة «اندفكو» الصناعيّة- اللبنانيّة العالميّة- التي يشغل منصب الرئيس التنفيذي لها؟ أم من جمعيّة الصناعيين التي شغل منصب رئيس مجلس إدارتها لأعوام عديدة؟ أم من كونه واحداً من رجالات الاقتصاد الفاعل على الصعيد الوطني والعالم بخبايا الاقتصاد وتفاصيله؟ أم من كونه رئيس المؤسّسة المارونيّة للانتشار؟ أم من غيرها من المناصب المتنوّعة التي تولاها وخاض العمل فيها؟...
«المحاور البارع» نعمة افرام يتحدّث بلغة الجميع، هو مواطن وصاحب مبادرة «لبنان الأفضل» مبادرة سياسية – اقتصادية- اجتماعية لإنهاض لبنان ورجل أعمال في آن، هو اقتصادي ذائع الصيت، محلّل وقارئ للأحداث، مؤمن بلبنان وإمكاناته وطاقاته، ملتزم بمسيرته الاجتماعيّة والتنمويّة، وناشط على جبهات الوطن كافّة... من هنا، ترى لكلّ موضوع يخوض الحديث فيه رؤية ونظرة ثاقبة تضع الأمور في نصابها...
بابتسامته اللافتة وروحه المرحة وعفوّيته الصريحة استقبلنا في مكتبه في شركة «اندفكو» في منطقة عجلتون، ومعه لم يعد الاقتصاد مجرّد نظريّات ومفاهيم وتحليلات ومصطلحات مباشرة جافّة لا تحتمل الاتيان بالبيان والاستعارات والتشابيه اللغويّة، بل أصبح مشهداً عاماً رسمه بأفكاره وتحليلاته واقتراحاته، مستخدماً حضوره البارز وخبرته الطويلة في هذا المجال.. إنّه باختصار لقاء آخر المستجدّات...
الاغتراب، الاقتصاد، سلسلة الرتب والرواتب، الفساد، وغيرها... عناوين متفرّقة في لقاء متكامل أجرته «المغترب» مع نعمة افرام إليكم تفاصيله:

الاغتراب.. واستعادة الجنسيّة
عن المؤسّسة المارونيّة للانتشار، بدأ افرام حديثه لـ «المغترب» بتأكيد أنّه «بالرّغم من كونها مؤسّسة بطريركيّة، إلا أنّها تُعنى باللبنانيين جميعاً- على اختلاف طوائفهم- المنتشرين حول العالم، وتهدف إلى إعادة التواصل معهم وتشجيعهم على استعادة الجنسيّة اللبنانيّة، لأنّهم يشكّلون ثروة وطنيّة تصبح مهدورة إذا لم نفيهم حقّهم من خلال منحهم الجنسيّة التي تُعتبر أمراً ضرورياً، فنحن نستفيد من هذه الثروة بشكل كبير في دعم اقتصادنا وفي حياتنا اليوميّة داخل الوطن».
وتابع افرام قائلاً: «الانتشار اللبناني ناجح ولديه طاقة مميّزة، ونجاحه يمنحنا فرصة كبيرة- في حال تواصلنا معه- للاستفادة من طاقاته وخبراته. من هنا نعمل بالتنسيق مع وزارة الخارجيّة والمغتربين على تفعيل هذه الطاقة فيما بينها في الخارج من جهة، وفي ما بينها وبين لبنان من جهة أخرى، من خلال تنظيم «لقاءات الطاقة الاغترابيّة»...
افرام تطرّق إلى موضوع الأكاديميّة المارونيّة التي «نقوم ومنذ حوالى 6 أعوام بتنظيم برنامجها الخاص صيف كلّ عام في لبنان، حيث نستقبل مجموعة من الشباب اللبناني القادمين من مختلف دول العالم والذين يزورون لبنان للمرّة الأولى، وذلك ضمن تجربة فريدة تجعلهم يعيشون جو البلد الأم ضمن أجواء دراسيّة هادفة، وهم يقيمون على مدار 15 يوماً- فترة إقامتهم في لبنان- في جامعة الروح القدس في الكسليك ويتلقّون يوميّاً ما بين 4 إلى 5 ساعات من المحاضرات حول تاريخ لبنان، الاقتصاد، القيم، التراث، الفن وغيرها... إضافة إلى تنظيم جولات سياحيّة لهم في سائر المناطق، وفي النهاية يتخرّجون ويكونون بمثابة سفراء لنا في دول العالم يعملون منها على موضوع الجنسيّة».
افرام أشار إلى أنّه بموجب هذا البرنامج النّاجح «أصبح لدينا اليوم عدد كبير من «السفراء الناشطين»، أكثر من سفراء لبنان الديبلوماسيين (قالها مازحاً)، متطوّعين وملتزمين بقضيّتنا».
عن العراقيل التي تقف حجر عثرة أمام موضوع استعادة الجنسيّة، تحدّث افرام عن أمرَين غاية في الصعوبة، أوّلهما خارجي يتعلّق بصورة لبنان التي تتكوّن عند المغترب الذي يتحدّر من جذور لبنانيّة، حيث نجد صعوبة في جذبه من خلال الصورة المشوّهة، لذا من المهمّ أن تتجلّى صورة لبنان الأفضل في الداخل لتصل الى الخارج كي يفتخر بها الأحفاد اللبنانيون ويتشجّعون لزيارته، مؤكّداً: «نبذل جهوداً كبيرة في هذا الموضوع، حيث ننظّم برامج تسويقيّة في دول العالم كافّة، ونستعين لذلك بمشاهير لبنان كي يسجّلوا فيديوهات وأغاني لعرضها عبر وسائل الإعلام كي نتمكّن من التواصل أكثر فأكثر معهم ولتغيير الصورة النمطيّة عن الوطن وليكونوا هم بدورهم فخورين بلبنانيّتهم».
أمّا الأمر الثاني فيتمثّل بالعراقيل الداخليّة و«هو ما نوليه عناية كبيرة، حيث عملنا أوّلاً على تطوير قانون استعادة الجنسيّة ونواكب الأساليب التطبيقية الخاصّة بهذا القانون، ونعمل لتبسيط تلك العمليّة وجعلها أكثر سلاسة وذلك بالتعاون مع وزارة الخارجيّة والمغتربين ووزارة الداخليّة، لأنّ المطلوب اليوم هو الحصول على أرقام كبيرة في هذا الموضوع». وأضاف: «أنشأنا بوّابة الكترونيّة وعملنا على ربطها بالوزارتَين، بحيث تصبح العمليّة إلكترونيّة ومن خلالها يمكن للمغترب أن يتابع معاملته بواسطة الهاتف، وعقدنا اتفاقاً مع شركة Liban Post كي يتمّ تسريع العمل على إنجاز المعاملات في الخارج تماماً كما يحصل في لبنان».

.. بين الأمس واليوم
«بين اليوم والأمس.. كيف تقيّم دور الانتشار اللبناني»؟ أجاب: «مَن يدرس تاريخ لبنان ويتعمّق فيه، يُدرك أنّ الاغتراب اللبناني كان بمثابة المخلّص للبنان خلال الحقبات والمراحل كافّة التي مرّ بها، بدءاً من زمن السلطنة العثمانيّة، والدور الأساسيّ الذي لعبته المدرسة المارونيّة في روما في ربط لبنان وفك الانعزال الذي كان مفروضاً عليه، مروراً بالعام 1920 عندما هاجر عدد كبير من اللبنانيين، وصولاً إلى الحرب اللبنانيّة الأخيرة ودور اللبنانيين كشارل مالك، فيليب حبيب والياس سعادة وغيرهم وغيرهم من الذين عملوا كـ «لوبي» في أميركا كي يبقى لبنان»...
وتابع افرام قائلاً: «اليوم ومع وجود وسائل التواصل الاجتماعي وسرعة نقل الأفكار التي أصبحت بسرعة الضوء والكهرباء، بات التواصل مع الاغتراب أسهل بكثير، وبناء عليه أصبحت مسؤوليّتنا أكبر لجهة تفعيل الاغتراب اللبناني».
وتطرّق افرام إلى اللبنانيين الذين هاجروا إلى بلدان منحتهم جنسيّتها واندمجوا في مجتمعاتها كالبرازيل وأميركا وغيرهما، فأكّد أنّ التواصل معهم هو أمر ليس بالسهل نظراً لانقطاع علاقة العدد الأكبر منهم بوطنهم، لكن هذا الأمر لا يمنع من تكرار المحاولات لجهة استعادة الجنسيّة.
وأضاف: «يُشبه الجيل الجديد من المغتربين الذين هاجروا منذ حوالى 40 عاماً الأجيال الأولى التي هاجرت منذ العام 1918. ويمكن القول إنّه وبالرّغم من المسافات البعيدة والأعوام الطويلة إلا أنّ العلاقة مع الوطن تبقى راسخة في قلوب الكثير من المغتربين الذين ينقلونها إلى أولادهم».
وبما أنّ البرازيل تضمّ أكبر جالية لبنانيّة في العالم، أشار افرام إلى أنّ عدداً كبيراً من اللبنانيين هاجروا إليها قبل العام 1920، وذلك بُعيد زيارة الامبراطور البرازيلي آنذاك إلى شمال لبنان حيث زار إهدن وأمضى فيها أسبوعَين وأُعجب بلبنان، فعرض منح الأراضي للبنانيين في البرازيل ليستقرّوا فيها (قبل العام 1900). أمّا بعد العام 1920 فقدّر افرام أن يتراوح عدد اللبنانيين في البرازيل ما بين 4 إلى 5 ملايين لبناني.

السلسلة.. والفساد
في ما خص موضوع سلسلة الرتب والرواتب، قال افرام إنّه «موضوع كبير وشائك، وأذكر حين بدأ الحديث عن هذا الموضوع لبّت الهيئات الاقتصاديّة بسرعة كبيرة ورفعت الرواتب للقطاع الخاص، لكنّ القطاع العام لم يلحق بها بالسرعة الكافية ودخلت الأمور ضمن زواريب السياسة!! وللأسف فإنّ قدرة الدولة اللبنانيّة على تمويل السلسلة كان أمراً صعباً خاصّة أنّه لم يكن بإمكاننا تحديد كلفتها على الخزينة اللبنانيّة».
«هل أنت مع السلسلة أم ضدّها»؟ أجاب بتلقائيّة: «أؤيّد السلسلة بالمطلق، فإقرارها يستقطب أصحاب الخبرات والكفاءات إلى القطاع العام، وهذا هو المطلوب بالنسبة إلينا». وتابع: «أقول كلامي هذا في حال تمكّنا من إيجاد أفضل الطرق لتمويل السلسلة من دون ارهاق المواطن، لأنّ تمويلها أمر صعب خصوصاً ان كلفتها كبيرة جدّاً. ومّما لا شكّ فيه أنّ فتح هذا الموضوع (طرق تمويل السلسلة) هو أمر مهمّ جداً لأنّه يستقطب القوى الحيّة في لبنان لمحاربة الفساد، و«بيصير بيعرف المواطن بلبنان إنّو الفساد مش عم يخلي يدفعولو معاشو»!!
وتطرّق افرام إلى موضوع الفساد مؤكّداً أنّه «هوي الأساس»، وأضاف: «اليوم بات لدينا في لبنان العدّة والأدوات اللازمة لمحاربته، ومن جهتي أعتبر أنّ أكبر وأهمّ أداة هي الإعلام. فصعوبة تمويل السلسلة مردّها الفساد الذي تقع مسؤوليّة محاربته علينا جميعاً. وعلى الإعلام وعلينا أن نصرخ وبأعلى أصواتنا: إنّ مَن يرتكب الفساد هو الذي يحول دون أن يصل الحق إلى أصحابه، وهذا الأمر على الإعلام أن ينشره كي يصبح الفاسد هو عدّو الشعب، لا أن يُنظر إليه على أنّه «ذكي ويتدبّر أموره»!!! فعندما يُقلب سلّم القيم ويصبح الفاسد محطّ تقدير واحترام تقع الكارثة!! تكون نهاية الكون!! آخر أيّام الانسانيّة!! وللأسف هذا ما نعيشه اليوم في لبنان وهذا الأمر مرفوض».

المشهد الاقتصادي العام..
بالانتقال إلى الوضع الصناعي في لبنان، قال افرام: «يحاول لبنان أن يبقى بلداً صناعياً، ونسعى إلى تعزيز الصناعة اللبنانيّة وتوسيع نطاقها، لكن للأسف كلّما ازداد عدد السكّان (بوجود اللاجئين السوريين وغيرهم) تفاقم الضغط على البنى التحتيّة المهترئة أصلا وخسرت الصناعة من قدرتها التنافسيّة!! لذا، وخلال الأعوام الأربعة الأخيرة شهدت الصناعة تراجعاً ملحوظاً، وفي الوقت نفسه تراجعت الصادرات اللبنانيّة حوالى 25 إلى 30 % بسبب عوامل عديدة». واصفاً المشهد العام للقطاع الصناعي في لبنان خلال الأعوام الأربعة الأخيرة بـ «الجمود، والمترافق مع حصول تبدّل من التصدير إلى التصنيع المحلّي».
سألناه: «الاستهلاك من قبل اللاجئين السوريين هل تجده أمراً إيجابيّاً أم سلبيّاً»؟ فأجاب: «لا شكّ في أنّ استبدال الاستهلاك المحلي الناتج عن النزوح بالتصدير يولّد قيمة مضافة أكبر للبنان. ذلك ان زيادة الاستهلاك هذا قد يشكّل خطراً استراتيجيّاً إذ عندما يغادر اللاجئ السوري فإنّ لبنان سيواجه مشكلة في إيجاد الأسواق لتصريف منتجاته.. هذه الصورة لم نقصدها ولم نرسمها، بل شاءت الظروف أن تدفعها بهذا الاتجاه». مشدّداً على «أهمّية قدرة البنى التحتيّة على الاستيعاب»، ومؤكّداً أنّ «المطلوب إحداث قفزة نوعيّة بالبنى التحتيّة اللبنانيّة لا سيما بعد إقرار قانون الشراكة بين القطاعَين العام والخاص، والذي يُعتبر أساسيّاً لأنّ هذه الشراكة تساهم في تنمية البنى التحتيّة وتطويرها».
عن تقييمه للوضع الاقتصادي بشكل عام في لبنان، أكّد افرام أنّه ليس في تحسّن أبداً، فـ «نحن نعاني من كتلة من ورم خبيث في لبنان اسمه «الدين العام»، هذا الورم يكبر في كلّ عام بمعدّل 7 % ويتفشّى بشكل أوسع وأكثر خطورة، بمعنى أنّ العام الحالي أسوأ من العام الذي سبقه وهكذا... فارتفاع حجم الدين العام في لبنان ليلامس الـ 80 ملياراً هو أمر كارثي وغير مقبول!! وللأسف يمكن في أي لحظة أن ينهار الاقتصاد اللبناني!! لذا مطلوب منّا اليوم حركة تصحيحيّة سريعة في الاقتصاد اللبناني».
«ما الخطوات التي تنصح باتباعها»؟ أجاب خاتماً ومن دون تردّد: «أطالب اليوم بتطبيق خطّة في لبنان كخطة «مارشال»، وهي عبارة عن «خطّة اقتصاديّة أُطلقت بمبادرة من الجنرال الأميركي جورج مارشال من أجل مساعدة البلدان الأوروبيّة على إعادة إعمار ما دمّرته الحرب العالميّة الثانية وبناء اقتصاداتها من جديد». أضاف: «هنا يكمن دور الشراكة بين القطاعَين العام والخاص من خلال تأمين مبالغ ماليّة ضخمة (قد تصل إلى حوالى 3 و4 مليارات دولار)، كي يتمّ ضخّها في البنى التحتيّة بشفافية مطلقة، وهو ما نسميّه «التوظيف الذكي» أي التوظيف الذي لديه مردود، كالطرقات التي تحدّ من زحمة السير، سكك الحديد والقطارات، السدود، محطات الكهرباء، شبكة الغاز، المدن الصناعيّة النموذجيّة الجاهزة وغيرها... هذا التوظيف يعود بمردود إيجابي مباشر على الاقتصاد اللبناني، ويخلق فرص عمل ويحفّز النموّ ويعزّز التنافسيّة والفعاليّة ويكبّر حجم الاقتصاد الوطني
».

 


لدينا نشرة