Warning: strtotime(): It is not safe to rely on the system's timezone settings. You are *required* to use the date.timezone setting or the date_default_timezone_set() function. In case you used any of those methods and you are still getting this warning, you most likely misspelled the timezone identifier. We selected the timezone 'UTC' for now, but please set date.timezone to select your timezone. in /home/icphp833/public_html/almughtareb.com/libraries/joomla/utilities/date.php on line 56

Warning: date(): It is not safe to rely on the system's timezone settings. You are *required* to use the date.timezone setting or the date_default_timezone_set() function. In case you used any of those methods and you are still getting this warning, you most likely misspelled the timezone identifier. We selected the timezone 'UTC' for now, but please set date.timezone to select your timezone. in /home/icphp833/public_html/almughtareb.com/libraries/joomla/utilities/date.php on line 198

Warning: date(): It is not safe to rely on the system's timezone settings. You are *required* to use the date.timezone setting or the date_default_timezone_set() function. In case you used any of those methods and you are still getting this warning, you most likely misspelled the timezone identifier. We selected the timezone 'UTC' for now, but please set date.timezone to select your timezone. in /home/icphp833/public_html/almughtareb.com/libraries/joomla/utilities/date.php on line 198
كوثريّة السيّاد

حوّلت الضعف إلى قوّة وأصبحت نموذجاً يُحتذى
كوثريّة السيّاد
«سيّدة» قرى الجنوب و«عروس» جبل عامل



هي بلدة نموذجيّة بالمعايير كافّة، صنعت تاريخها بثبات أهلها وكفاح علمائها وعرق مزارعيها، نفضت عنها غبار الخضوع والذلّ وأبت إلا أن تطيّب اسمها بسلالة الأشراف من أهل بيت النبوّة، ورسمت صورتها عامرة بناسها وعمرانها وكانت بالفعل كوثريّة للسيّاد أبنائها...
سيّدة القرى وعروس جبل عامل «كوثريّة السيّاد» يُضرب لأبنائها ألف تحيّة وتحيّة، ونقف أمام ماضيها وحاضرها وقفة إجلال واحترام، ونقدّم بين أيديكم ملفاً عن هذه البلدة التي قصدتها «المغترب» والتقت بعض فعالياتها وجالت في أرجائها وعادت بالتحقيق التالي:


تتبع بلدة كوثريّة السيّاد لقرى قضاء صيدا، تحدّها بلدات تفاحتا، الغسّانية، الخرطوم، الشرقيّة والنميريّة، وتمتدّ على مساحة 7000 دونم تقريباً. تبعد عن بيروت 64 كلم، وترتفع عن سطح البحر حوالى 350 م، وتمتاز بوجود أربعة مداخل لديها.
اسمها اللافت قيل عنه الكثير، وخلال جولتنا على فعالياتها، كان لكلّ منهم شرح حول أصل التسمية، فأحد أبنائها يقول إنّه منذ حوالى 117 عاماً كان يُطلق عليها اسم «الكفريّة» أسوة ببعض القرى كـ «كفر رمان»، «كفر فيلا»، «كفرجوز»، كفرحتى» وغيرها... وقال أحد المسنين من أبنائها إنّ اسمها أصبح «الكوثريّة» في عهد الدولة العثمانيّة لازدياد نسل السادة فيها. أمّا رئيس بلديّتها علي محمّد موسى فقال إنّ اسمها يعود إلى كون غالبيّة الذين أقاموا فيها هم «سادة» من أصل هاشمي (تكوثر السادة أي أقاموا وتكاثروا فيها).

بلديّة مستحدثة.. وعمل بلدي ناشط
العمل البلدي في كوثريّة السيّاد مستحدَث، فقد أُنشئ أوّل مجلس بلدي فيها عام 2004 وكان برئاسة علي محمّد موسى الذي لا يزال يتولّى هذا المنصب حتّى اليوم (3 ولايات). وفي هذا السياق قال موسى لـ «المغترب»: « قبل العام 2004، كان التعاطي بالشأن البلدي في كوثريّة السيّاد يتمّ من خلال المختار، وكنت حينها مختاراً، ومنذ استحداث البلديّة تطوّرت البلدة حتّى اليوم بشكل لافت، فكبرت ونمت وامتدّت عمراناً وحدائق»...
يتألّف المجلس البلدي لكوثريّة السيّاد من 12 عضواً، ولفت موسى إلى أنّه خلال الانتخابات المقبلة في العام 2022 يُتوقّع أن يرتفع العدد إلى 15 عضواً.
عن أداء المجلس البلدي، قال موسى إنّه «عند إنشاء البلديّة كانت كوثريّة السيّاد عبارة عن أزقّة وشوارع ضيّقة وصغيرة». وتابع: «الخطوة الأولى التي قمنا بها منذ تولّينا رئاسة البلديّة هي توسيع الطرقات، ويمكننا القول إنّه في العام الجاري 2018 لم يعد هناك في البلدة ما يُسمّى «زواريب ضيّقة» إلا ما ندر، وأنّ 95 % من شوارع وطرقات البلدة قد توسّعت لتواكب كبر مساحتها وازدياد عدد سكّانها».
وتطرّق موسى إلى موضوع الصرف الصحّي، فأشار إلى أنّ البلديّة تمكّنت من إنجاز حوالى 65 % من شبكة الصرف الصحّي في البلدة، لافتاً إلى أنّه قريباً ستستفيد البلدة من مشروع شبكة الصرف الصحّي لمنطقة الزهراني الذي سيبدأ مجلس الانماء والإعمار العمل به. وتحدّث عن مشاريع أخرى أنجزتها البلديّة، كإنشاء الحدائق العامّة، جدران الدعم والجدران التجميليّة، الأرصفة، حملات التشجير، وضع اللافتات التي تبيّن الاتجاهات والأحياء، تحسين مداخل البلدة، إنشاء ملعب «ميني فوتبول» بمواصفات عالميّة وغيرها... واعداً بالعمل والسعي لإنجاز وتنفيذ المزيد من المشاريع.
إلى جانب المشاريع التنمويّة، تحدّث موسى عن العديد من الأنشطة التي تقوم بها البلديّة بالشراكة مع جمعيّات ومنظّمات مختلفة، منها أنشطة علميّة عبر تنظيم المحاضرت وورش العمل والدورات التثقيفيّة، أنشطة تربويّة وأخرى سياحيّة وترفيهيّة ودينيّة ورياضيّة وصحيّة وغيرها... أمّا الموضوع «الأهمّ»، على حدّ وصفه، فيتمثّل بمشكلة النفايات التي تعاني منها «الكوثريّة» كما سائر البلدات، وقال إنّه في الربيع سيباشَر العمل لحلّها من خلال تشكيل لجنة تتألّف من 15 شاباً وصبيّة من أبناء البلدة يخضعون لدورات تأهيليّة حول كيفيّة تعليم السكّان عمليّة الفرز المنزلي، وسيبدأ العمل بتطبيقها في أقرب فرصة. وفي هذا السياق، أشاد موسى باللواء عبّاس ابراهيم الذي «ساهم كثيراً في دعم المشاريع في الكوثريّة، ولولاه لما استطعنا القيام بالكثير من المشاريع، وإليه يعود الفضل الكبير خصوصاً في موضوع تعبيد الطرقات وإنشاء جدران الدعم والمشاريع التجميليّة وغيرها»... لافتاً إلى أنّه قريباً ستتمّ المباشرة بتنفيذ مشروع تعبيد طرقات كبيرة في البلدة عبر وزارة الأشغال وبمساعدة من اللواء ابراهيم.
عن الجانب الصحّي، لفت موسى إلى وجود مستوصف في البلدة أنجزه اللواء ابراهيم لكنّه لم يعمل بعد، ومشيراً إلى أنّهم يستنظرون الحصول على موافقة وزارة الشؤون الاجتماعيّة لافتتاح مركز لها في البلدة.
تضمّ كوثريّة السيّاد حسينيتَين إحداهما للرجال والأخرى للنساء، وفيها مسجدان ومدرسة خاصّة وأخرى رسميّة. كما تضمّ قاعة «أبا طالب» التي بناها أحد أبناء البلدة وتُديرها البلديّة، وهي تُستخدم للمناسبات الثقافيّة والاجتماعيّة كافّة، يستفيد منها أبناء البلدة بشكل مجّاني، وتتّسع لحوالى 200 شخص.
أمّا خدمة الانترنت، فأشار موسى إلى أنّها متوفّرة في البلدة التي لا تعاني أيضاً من أيّة مشاكل على صعيد المياه، ففيها بئران ارتوازيتان وخزّانان، وتتزوّد من مصدر أساسي من آبار بلدة تفاحتا، لافتاً إلى أنّه سيتمّ قريباً بناء خزّان ثالث وبئر إضافيّة. أمّا الكهرباء فتتولّى البلديّة في معظم الأحيان إصلاح الأعطال التي قد تطرأ.
ولمبنى البلديّة أهميّة تاريخيّة كبيرة عبّر عنها موسى بالقول إنّ «هذا المبنى كان يعود لأوّل مدرسة أنشئت في البلدة والتي يعود تاريخها إلى حوالى العام 1940، بناها أهلنا وناسنا حجراً فحجراً.. أحببنا أن نخلّدها في ذاكرة أبنائنا، فعمدنا إلى ترميمها وتحسينها وأصبحت معلماً تاريخيّاً مهمّاً حافظنا عليه واتّخذناه مركزاً للبلديّة».
عن الاغتراب، قال موسى إنّ كوثريّة السيّاد هي بلدة اغترابيّة فيها حوالى 500 مغترب، معظمهم في أفريقيا والقليل منهم في ألمانيا والخليج. وأضاف: «مع بداية تأسيس البلديّة، كان اعتمادنا على المغتربين كبيراً في المساهمة في دعم المشاريع داخل البلدة، ولا سيّما مشروع ترميم مبنى البلديّة ومقبرة البلدة، توسيع بعض الطرقات وشبكة الصرف الصحّي، مع الإشارة إلى أنّ معظم الذين دعموا تلك المشاريع كانوا من آل هاشم». وأردف قائلاً: «أوجد مغتربو البلدة حركة عمرانيّة لافتة من خلال اهتمامهم ببناء وتحسين بيوتهم وقصورهم والطرقات المؤدية لها، فشكّل هذا الأمر رافعة للبلدة جعلها عامرة بشكل لافت». وتابع: «شهدت بلدتنا تطوّراً كبيراً وتغيّرت معالمها كلّها من طرقات وأبنية وبيوت، وأفتخر أنّ هذا التطوّر يعود الفضل فيه إضافة إلى البلديّة، كذلك إلى أبنائها جميعاً المقيمين والمغتربين الذين تكاتفوا وأنشأوا نموذجاً من البلدات التي يُفترض أن تُحتذى من سائر القرى”. وختم قائلاً: «واكبنا المغتربون في المراحل كافّة على الحلوة والمرّة، وكانت لديهم مساهمات متنوّعة في الأعمال الخيريّة والبنى التحتيّة والمشاريع الانسانيّة، ونوجّه التحيّة والشكر لهم ولمغتربي البلدات الأخرى الذين يساهمون في دعم وتنمية قراهم».

عمل اختياري- اجتماعي قديم
قبل استحداث البلديّة، كان المختار يتولّى القيام بالمهام المنوطة بالبلديّة والمخترة على قدر الإمكانات المتوفّرة. مع الإشارة إلى أنّ أوّل مختار للبلدة كان المرحوم حسن محمّد اسماعيل الذي بقي مختاراً طوال 35 عاماً.
لكوثريّة السيّاد اليوم مختاران: محمّد موسى، وحسن بدران المُلقّب بـ «دينامو كوثريّة السيّاد» والضليع بأمور المخترة منذ 18 عاماً، والذي أشار لـ «المغترب» إلى أنّه قبل العام 2016 لم يكن هناك إلا مختار واحد للبلدة، وفي الانتخابات المقبلة سيرتفع العدد إلى 3 مخاتير. مشيراً إلى أنّ عدد سكّان البلدة يبلغ حوالى 4000 نسمة.
«دينامو الكوثريّة» يعتبر نفسه خادماً لأبناء البلدة، فهو حاضر لتقديم المساعدة ومتأهّب لأي طارئ ليلاً ونهاراً، في الأفراح والأتراح.. عن بلدته قال إنّها «تتميّز بأجواء المحبّة والألفة السائدة بين أبنائها، فعند وقوع مشكلة يتكاتف أبناؤها جميعاً لحلّها. كوثريّة السيّاد جميلة بكلّ ما فيها، بناسها وطبيعتها وأجوائها وموقعها»...
وأكّد بدران أنّ عمل المختار لا يقتصر على إنجاز المعاملات فقط، بل «يجب أن يكون المختار قريباً من الناس جميعاً لا أن تكون علاقته بهم مجرّد علاقة ورق».
وتطرّق بدران في حديثه عن شخصيّات البلدة، فأشاد باللواء عبّاس ابراهيم قائلاً إنّه «شخصيّة مرموقة ومعروفة ليس على صعيد الوطن فقط، بل أيضاً على صعيد العالم، ونطلق عليه اسم «لواء الوطن»، فالجميع يحبّه وهو يتمتّع بكفاءة لافتة ولديه مساهمات ومساعدات كبيرة قدّمها لبلدته حتّى قبل تولّيه منصبه». كذلك أشاد بدران بالمديرة العامّة لوزارة الاقتصاد عليا عبّاس التي «تُعتبر من الدّاعمين البارزين للبلدة وأبنائها»، إضافة إلى مجموعة من الأشخاص الخيّرين من آل هاشم وغيرهم...


تاريخ غائر في القدم
«كوثريّة السيّاد بلدة قديمة جداً، فالحفريات التي أُجريت فيها أظهرت أنّها كانت قائمة منذ زمن البيزنطيين وحتّى قبلهم، نظراً لاكتشاف آثار في شمال البلدة وتحديداً في تلّة «كرم الكبير» تدلّ على أنّها بلدة متغلغلة في القدم، وهذا الأمر ليس غريباً نظراً لكون البلدة غنيّة بالينابيع والعيون، من هنا اتّخذت اسم «الكوثريّة» نظراً لكثرة الينابيع الموجودة فيها (أكثر من 11 ينبوعاً وعيناً)، وكذلك نظراً لأشجار الغار الكثيفة التي كانت تنتشر فيها. وبعدما أقام فيها سادة من نسل الرسول سُمّيت بكوثريّة السيّاد لتمييزها عن بلدة أخرى اسمها «كوثريّة الرز» وتقع غربي بلدة أنصار». بهذه العبارة بدأ الأستاذ المتقاعد والمؤرّخ حسن عبّاس مكّي حديثه لـ «المغترب» عن تاريخ كوثريّة السيّاد، وتابع قائلاً: «لعبت البلدة دوراً تاريخياً في عهد الأمير فخر الدين، حيث كانت مركز حكم آل علي الصغير (آل الأسعد اليوم، ويُقال إنّهم مشايخ من آل مَنكر من حكّام جبل عامل). ويذكر التاريخ أنّ الأمير فخر الدين وبعدما انتهت حملة الحافظ باشا التي كان أرسلها إلى لبنان، عاد إلى «الكوثريّة» فنهبها وأحرق بيوتها زاعماً أنّ أبناءها أو آل علي الصغير أغاروا على القوافل التي كانت تحمل الذخائر والمؤن إلى ولده في قلعة الشقيف. هذا وتعرّضت الكوثريّة لما تعرّض له جبل عامل من التعسّف من حكم الشهابيين الذين كانوا يغيرون على جبل عامل ويرتكبون المجازر فيه لأسباب عديدة».
مدرسة كوثريّة السيّاد
اشتُهرت كوثريّة السيّاد بمدرستها التي تأسّست عام 1792 بعد موت الجزّار أحمد باشا الذي كان والياً على عكا، والذي كان قد شنّ هجوماً على جبل عامل حوالى العام 1770- وكان الحاكم آنذاك الشيخ ناصيف بك النصّار- فنهب المزارع وأحرق المكاتب وعطّل المدراس وقتل العلماء وهدم البيوت، فعانى السكّان الكثير وعرف جبل عامل أسوأ أيّامه في ذلك الوقت. وبعد وفاة الجزّار، سُمح للعاملين بأن يُعيدوا بناء ما تهدّم، فبنى الشيخ حسن بن قاسم القبيسي مدرسة- فقه ودين- في البلدة كان لها أثر كبير في إعادة النهضة إلى جبل عامل على الأصعدة كافّة ولا سيّما العلميّة منها حيث حصل تبادل للعلماء بين لبنان والنجف الأشرف في العراق.
بعد إنشائها، قصدها الطلاب الشيعة من أنحاء لبنان كافّة، ولا سيّما الأمراء والمشايخ (أبناء العشائر). وكان أبرز مَن قصدها: من كفرا الشيخ محمّد السبيتي العاملي، من يونين الشيخ حسين زغيب اليونيني، من جباع الشيخ عبد الله نعمة، وتعلّم فيها حمد البيك المحمود النصّار الذي لعب لاحقاً دوراً في حكم جبل عامل بعد أن تسلّم مقاليد الحكم من ابن الأمير بشير الشهابي بعد انتصاره عليه، فأعاد الازدهار إلى الحركة العمرانيّة في جبل عامل. كذلك تعلّم فيها ناصيف الأسعد، وورد في «التذكرة العامليّة» للشيخ موسى عز الدين بأنّ الشيخ محمّد علي عز الدين من بلدة حناويه جاء إلى كوثرية السيّاد وتعلّم الطب على يد الطبيب السيّد محمّد ابراهيم وقد أجازه بالطب. وهذا يدلّ على أنّ هذه المدرسة كانت تلمّ إضافة إلى الدين والفقه بالطب أيضاً وغيره من العلوم... وتابع مكّي: «بقيت المدرسة حتّى العام 1848، وعمد بعض العلماء الذين تخرّجوا فيها إلى افتتاح المدارس في بلداتهم، منهم الشيخ عبد الله نعمة الذي افتتح مدرسة في جباع، السيّد علي ابراهيم الذي افتتح مدرسة في النميريّة، والشيخ محمّد علي عز الدين الذي افتتح مدرسة في حناويه». وأضاف: «كانت هذه المدرسة تقع في شمالي البلدة، وكانت عبارة عن مجموعة من البيوت، كلّ بيت منها مؤلّف من غرفتَين، وكان لها مبنى اسمه «دار القبيسي» أحصيتُ فيه ما يقارب 12 غرفة».
سألناه: «ما الذي يميّز كوثريّة السيّاد عن غيرها من البلدات»؟ فأجاب: «تمتاز أوّلاً بأنّها كانت عاصمة جبل عامل وعاصمة آل علي الصغير، وكان يملكها خليل بك الأسعد جدّ كامل الأسعد. إضافة إلى تميّز موقعها الجغرافي كونها تقع على نقطة وسطيّة بين صيدا وصور والنبطية وهي قريبة من العاصمة بيروت، وهذا ما يميّزها عن سائر البلدات، ثمّ إنّها تُعتبر ممرّاً للعديد من القرى المحيطة بها. وميّزتها مدرستها التي جعلتها حتّى في العصر الحاضر تلعب دوراً كبيراً في المنطقة».

الاغتراب الكوثراني
وأكّد مكّي أنّ الاغتراب في كوثريّة السيّاد قديم جدّاً، لافتاً إلى جدّه خليل بدران الذي هاجر إلى «بيونس ايرس» في الأرجنتين منذ حوالى العام 1920، وعمل في مجال نقل الذرة ثمّ في الكشّة، وكان من بين الأوائل الذين هاجروا إلى الأرجنتين من أبناء البلدة إضافة إلى خليل يوسف وحسن عبد الله.
وتطرّق مكّي إلى أوائل المهاجرين من أبناء «الكوثريّة» إلى السنغال، منهم: علي غيث، علي محمّد حاج علي، حسن محمّد حاج علي، ابراهيم وعبد كركي.
في الخمسينيّات، وفق ما أشار مكّي، بدأ اغتراب أبناء الكوثريّة إلى الخليج– الكويت وكان من بين أوائل الذين قصدوها: الحاج علي يعقوب، محمّد طويل، علي كجك، ابراهيم وعبد السيّد، أحمد خليل حجازي، أحمد بدران، ثمّ حسين يحيى درويش ويحيى حسين درويش، محمود وحسن أحمد، كاظم ابراهيم والد اللواء عبّاس ابراهيم...
الاغتراب إلى أبو ظبي بدأ عام 1971، حين قصدها نصف أبناء البلدة تقريباً، وصودف أنّ أوّل مَن وصل إليها كان المرحوم يحيى حسين درويش وبعده المرحوم هاني مكّي.
أمّا الغابون، فإنّ أوّل مَن هاجر إليها كان شريف هاشم حوالى العام 1963، وبدأ يعمل وحده هناك، ثمّ أرسل وراء أولاد أخيه «أبو صافي» محمّد علي هاشم رئيس فرع الجامعة اللبنانيّة الثقافيّة في العالم فرع الغابون، وابن عمّه أبو عصام، ثمّ لحق بهم إخوتهم: السيّد نجيب هاشم (أبو علي) والسيّد رهيف (أبو رامي)، ثمّ محمّد عبد الحسن هاشم، عصام هاشم، فؤاد وأكرم هاشم، إضافة إلى فؤاد حاج علي وشقيقه جهاد وإخوته محمّد ومحمود وعلي وحسن وحسين.
أمّا أنغولا، فقصدها بعض أبناء البلدة منذ العام 1991.

.. في الذاكرة
لبلدة كوثريّة السيّاد تاريخ لا يمكن الحديث عنه بعيداً عن «أرشيف الماضي» الحاج علي سلمان ابراهيم الذي وبالرّغم من كبر سنّه (من مواليد العام 1924) إلا أنّه لا يزال حافظاً لتاريخ بلدته المحفور في ذاكرته وقلبه. ذلك «الشاب التسعيني» تحدّث لـ «المغترب» عن تاريخ البلدة وأصل تسميتها، فقال إنّ أصل اسم «كوثريّة السيّاد» يعود إلى مجموعة من السادة الذين يتحدّرون من السلالة النبويّة الشريفة قدموا إلى تلك البقعة واستوطنوا فيها، فوجدوها ملائمة للعيش نظراً لطبيعة أرضها الزراعيّة الخصبة، فاختاروا لها اسماً نسبة إلى «نهر الكوثر» الموجود في «جنّات النعيم» والوارد ذكره في القرآن والحديث النبوي.
وتابع الحاج علي عن تاريخ تطوّر البلدة قائلاً: «كانت البلدة في العهد العثماني مملوكة لآل الأسعد الذين كان يُطلق عليهم اسم «بني وائل»، وتحديداً لصاحبها خليل بك الأسعد». وأضاف: «اضطرّ خليل بك الأسعد أن يستدين على البلدة من آل سرسق، لكن في وقت استيفاء الدين لم يكن بمقدوره تسديد الديون فأعطاهم البلدة، فباعوها بدورهم إلى جبّور نمّور من بلدة العدوسيّة الذي باعها بدوره إلى الحاج اسماعيل الزين والد يوسف بك الزين، وبالاتفاق مع مأمور «الطابو» آنذاك عمر نحّولة استملكوا الأرض كلّها وباعوها، فاشتراها آل الزين وبقوا فيها. وبعدما توفّي الحاج معن الزين، تقاسم أبناؤه الورثة التركة، فكانت البلدة من نصيب ابنه الحاج حسين الزين الذي ما لبث أن باعها إلى جماعة مسيحيّة من آل رزق الله من صيدا والذين كان والدهم آنذاك القنصل الروسي في لبنان. فأصبحت البلدة ملكاً لآل رزق الله، وبسبب إشكال حصل بينهم وبين أحد أبناء البلدة، أهملوا الأرض ومنعوا أهلها من زراعتها، فبارت لمدّة 3 أعوام تضايق خلالها الناس كثيراً نظراً لكونهم كانوا يعتمدون على الزراعة وتربية الماشية وغادر معظمهم البلدة. إلا أنّ المرحوم جدّي السيّد عباس ابراهيم كانت تجمعه علاقة طيّبة بأحد أبناء بلدة الغازيّة الحاج يوسف خليفة الذي كان يملك أموالاً طائلة ولديه معمل للتبغ، فعرض عليه المشكلة وحثّه على أن يضمن البلدة، فوافق وانتعشت الزراعة فيها من جديد»...
عن «الكوثريّة» بين الأمس واليوم، أكّد الحاج علي أنّ «مفاهيم الحبّ والصداقة والصدق كانت لافتة وسائدة بين أبناء البلدة جميعاً، فكانوا يتكاتفون لتقديم المساعدة في حلّ أي مشكلة قد تعترض أحد أبناء البلدة، حتّى أنّني أذكر أنّه خلال أحد فصول الشتاء هُدم أحد جدران منزلنا (كانت البيوت تُصنع وتُشيّد من الخشب والتربة)، فما كان من أبناء البلدة إلا أن عملوا على إعادة بنائه». وأضاف: «البلدة اليوم تطوّرت وتوسّعت بشكل كبير لدرجة أنّه لم يعد هناك من تلّة تخلو من المباني والعمارات، وازدادت مساحتها 5 أضعاف عن المساحة القديمة».
سألناه عن المهاجر الأوّل من أبناء البلدة، فأجاب بأنّه «حسن محمّد قاسم، الذي هاجر إلى السنغال ثمّ ما لبث أن اصطحب معه أحد أقربائه علي غيث»...
الحاج علي ابراهيم لم يهاجر كغيره بل فضّل البقاء في لبنان، هو الذي عاش طفولته في بلدته حيث نشأ وشبّ، ثمّ انتقل إلى بيروت برفقة عائلته بعمر 18 عاماً، وفيها بدأ العمل في المرفأ ثمّ تنقّل في مجالات عمل مختلفة.
عن الآثار الموجودة في البلدة، تحدّث الحاج علي عن محلّة قديمة اسمها «كرم الكبير» تضمّ آثاراً لآبار مياه محفورة ونواويس، لكنّ الزحف العمراني وصل إليها حيث شُيّدت عليها البيوت والمباني، لافتاً إلى أنّ في تلك المحلّة أيضاً تمّ استخراج لوحات وقطع فسيفسائيّة ملوّنة تعود إلى زمن الفينيقيين، من بينها قطعة اشتراها النائب وليد جنبلاط ووضعها في قصر بيت الدين. كما تحدّث عن كثرة عيون المياه التي كانت موجودة في البلدة، منها: عين الغلظ، عين الكبير، عين الجديدة، عين الزعفران وعين الحوافر...
وختم الحاج علي متطرّقاً إلى المدرسة الدينيّة في البلدة، فقال: «بعد وفاة الشهيدَين الشيخ محمّد الجزيني والشيخ زين الدين الجبعي اللذَين قُتلا في حلب، أسّس الشيخ حسن القبيسي الذي يتحدّر من بلدة كوثريّة السيّاد مدرسة في حارة المدارس في البلدة، وبدأ الناس يتوافدون إليها من القرى ليتعلّموا التفقّه والدين». وأضاف: «هناك علاقة مصاهرة تربط بين آل ابراهيم والشيخ حسن القبيسي الذي زوّج ابنته من جدّنا السيّد علي ابراهيم الذي تولّى إدارة المدرسة بعدما عجز الشيخ القبيسي. وبعد وفاة السيّد علي ابراهيم انتقلت المدرسة إلى بلدة «حناويه» عند الشيخ ابراهيم عز الدين، ثمّ انتقلت إلى بلدة جباع عند الشيخ الحر، ومنها انتقلت إلى مدينة النبطيّة وسُمّيت بـ «الحميديّة»، وكان من جملة أساتذتها جدّ والدتي السيّد محمّد ابراهيم، ومن تلاميذه الشيخ أحمد رضا والشيخ سليمان ضاهر اللذَين كانا عضوَين يمثّلان جبل عامل في المعهد العلمي وكان مقرّه في دمشق».

المديرة العامة لوزارة الاقتصاد
عليا عبّاس:
كوثريّة السيّاد ملاذي والحضن الدافئ الذي ألتجئ إليه بعيداً عن «الرسميّات»

بالرّغم من أنّها وُلدت وترعرعت وتعلّمت في بيروت، إلا أنّ قلبها وعقلها وكيانها متعلّق كلّه ببلدتها كوثريّة السيّاد التي أكّدت لـ «المغترب» أنّها كانت تنتظر بشغف صيف كلّ عام لتمضي العطلة برفقة عائلتها في البلدة.
إنّها المديرة العامّة لوزارة الاقتصاد عليا عبّاس، ابنة «أجمل القرى وأحبّها بالنسبة لي، فهي تعني لي الاجتماع بالأهل والأصدقاء من دون تكليف أو رسميّات»، وفق ما عبّرت، وأضافت: «كوثريّة السيّاد هي المكان الأحب إلى قلبي من أنحاء العالم كلّه، أزورها باستمرار وبشكل دائم نهاية كلّ أسبوع ولا أتغيّب عنها إلا في حالة الضرورة القصوى.. بلدتي تعني لي الكثير، فيها دُفن أعزّ مخلوقَين أمّي وأبي، وفيها أجتمع بأهلي وإخوتي بعيداً عن ضوضاء المدينة وأجواء العمل في بيروت.. بكلّ بساطة إنّها الحضن الدافئ بالنسبة لي».
وأردفت عبّاس قائلة إنّ «كوثريّة السيّاد تتميّز بموقعها الاستراتيجي، فهي ليست بعيدة عن العاصمة بيروت، إضافة إلى موقعها الوسطي بين قرى عديدة».
عن الذي ينقص البلدة، قالت عبّاس: «ينقصها وجود مستوصف، ونعمل على إنشاء مركز للخدمات الاجتماعيّة مع وزارة الشؤون الاجتماعيّة، كما أنّ هناك ضرورة للعمل على توسيع المدرسة وتجهيزها». وختمت قائلة: «لا أتوانى عن القيام بكلّ ما أستطيع القيام به من أجل خدمة أهلي وأحبّتي، وأحاول المساعدة في مشاريع تعود بالخير على الجميع على قدر المستطاع».

مدير عام الأمن العام
اللواء عبّاس ابراهيم:
كوثريّة السيّاد نموذج حيّ
لقرى لبنان كلّها
مدير عام الأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم اختصر حبّه لبلدته كوثريّة السيّاد بكلمات مقتضبة، فقال في حديثه لـ «المغترب»: «مهما نأت بنا الدار ووضعتنا الأقدار في مواقع نتحمّل فيها مسؤوليات كبرى، فإنّ حنيننا إلى مسقط رأسنا يظلّ يشدّنا إلى قريتنا، حيث هي جزء من طفولتنا وبدايات نضوجنا». وأضاف: «إنّ كوثريّة السيّاد هي نموذج حيّ لقرى لبنان كلّها لجهة طموح أبنائها وحبّهم للمغامرة، حيث تبوّأ العديد منهم مراكز كبرى سواء داخل الدولة أو لدى القطاع الخاص، فبرز منهم نوّاب ومديرون عامون ورجال أعمال وجامعيون وأدباء وشعراء، ومغتربون توزّعوا في أنحاء المعمورة وبقي حنينهم إلى حيث كانت نشأتهم الأولى، كما بقي حنينهم إلى وطنهم الأم، يُضاف إلى ذلك قسم من الأهالي بقي صامداً في القرية يزرع أرضه ويجني ثمارها... ولن أطيل الكلام عن كوثريّة السيّاد طالما أنّ هناك مَن هو أحقّ منّي بالكلام عنها، لكنّني في كلمتي المقتضبة هذه أحببت أن أردّ بعض الجميل إلى قريتي التي احتضنتني صغيراً، وما زالت تحتضنني اليوم وفي كلّ يوم».

 

لدينا نشرة