التحديّات الأمنيّة في لبنان في ضوء المستجدّات في المنطقة*

التحديّات الأمنيّة في لبنان في ضوء المستجدّات في المنطقة*

بقلم: اللواء عبّاس ابراهيم

المدير العام للأمن العام

*محاضرة ألقاها مدير عام الأمن العام اللواء عبّاس إبراهيم في Middle East Institute  في واشنطن في 22 أيلول 2017


مع طرد تنظيمَي «داعش» و«النصرة» الإرهابيَين من الحدود مع سوريا، يدخل لبنان طوراً جديداً من التحدّيات الأمنيّة، بعضها امتداد لما كان سابقاً، والبعض الآخر مستجدّ ناتج عن المتغيّرات المتسارعة، ولا سيّما في العراق والدّاخل السوري حيث تجري معارك وحروب في المناطق التي سبق أن سيطر عليها التنظيمان، فضلاً عن تحدّ عمره من عمر القضيّة الفلسطينيّة، عنيت «إسرائيل» التي تقوم بين الفينة والأخرى بإطلاق تهديدات ضدّ لبنان أو إدّعاءات تشكّل قاعدة تهديدات مستقبليّة، وصولاً إلى مناورتها الأضخم عند الحدود مع فلسطين المحتلّة وتدريب على حرب ثالثة كما تسمّيها هي.
قد لا تكون التحديات طارئة في بلد تكيّف معها، كونها التصقت بالكيان منذ نشوئه وقيامه، على صلات قويّة بالخارج منذ زمن القناصل إلى يومنا هذا، حتّى صارت من طبيعة لبنان والممارسة السياسيّة فيه. واكبتها في ذلك هواجس داخليّة بين الجماعات المكوّنة جميعها، وهي مخاوف لم تكن مبرّرة في يوم من الأيّام لو أنّ اللبنانيين آمنوا بفكرة الدولة الضامنة وسعوا إليها.
الآن انتقل لبنان من موقع التصدّي للإرهاب إلى مكافحته. لم يعد الاشتباك والتماس اليومي قائماً مع التنظيمَين الإرهابيَين، كما أنّ مكافحة الإرهاب ليست مقصورة أساساً على هذَين التنظيمَين، بل كانت تشمل شبكات التجسّس الاسرائيليّة وأجهزة البث التي تنشرها في الوديان وعلى التلال والجبال. المعركة الأمنيّة الآن صارت صراع عقول أكثر منها ميدانية، تستلزم آلية أكثر تطوّراً من ذي قبل، لأنّ ابتعاد الخطر لا يعني زواله على الإطلاق، خصوصاً أنّ حربنا هي مع تنظيمَين عنيفَين ولجوءهما إلى الانتقام يبقى أمراً قائماً متى تسنّى لهما أي ثغرة للنفاذ منها.
التهديدات الإرهابيّة يمكن أن تحصل في أي مكان في العالم، وهي تحصل، لكن في لبنان يستلزم الأمر تنبّهاً أعلى لسببَين:
الأوّل: طول الحدود بين لبنان وسوريا، وبين الأخيرة والعراق، والتي لم تنته الحرب فيهما بعد، حيث انّ هناك حضوراً مسلّحاً وبيئات حاضنة، عدا عن إمكان استغلال الإرهابيين، من تنظيمَي «داعش» و«النصرة» وغيرهما، هذه الحدود الواسعة والتضاريس الطبيعيّة للوصول إلى الأراضي اللبنانيّة بطرق غير شرعيّة والتخفّي فيها.
الثاني: يكمن في وجود أكثر من مليون ونصف المليون نازح سوري، وما لا يقلّ عن خمسمئة فلسطيني لاجئ على الأراضي اللبنانيّة، مع أدلّة على انخراط إرهابيين وانغماسيين بينهم.
كما أنّ لبنان يبقى هدفاً أساسيّاً لـ «داعش» و«النصرة» بسبب تكوينه الثقافي والحضاري وانفتاح جماعاته بعضها على بعض، ويزيد من احتمال استهدافه أنّه لم يوفّر أي بيئة حاضنة لهذَين التنظيمَين، خلافاً لكثير من الدول العربيّة والإسلاميّة. صحيح أنّ هاتَين العصابتَين تواجهان هزائم عسكريّة على جبهة، ولا سيّما في سوريا والعراق، لكنّ هذه الهزائم لا تشكّل نصراً نهائيّاً وفقاً للمعادلات الأمنيّة، لأنّ جدول أعمالهما العنفي والهمجي يقوم على ضرب العالم الحر والمتحضّر. اللافت في هذا السياق أنّ «تنظيم الدولة» قد دعا أخيراً مناصريه إلى عدم العودة إلى أرض الخلافة، والمقصود بها العراق وسوريا، ما يعني أمرَين:
أوّلهما، إقرار ضمني بالهزيمة العسكريّة، وأنّ العديد لم يعد مجدياً للحفاظ على الجغرافيا.
ثانيهما، وهو الأخطر، أنّ المطلوب من مناصريه الانتقال إلى الهجمات الانتحاريّة والتفجيرات والهجمات العشوائيّة حيث تسمح لهم الظروف والإمكانات.
يجب أن لا ننسى للحظة آلية الحرب عند هذه الجماعات، فقد قُتل زعيم «القاعدة» الأكبر أسامة بن لادن عام 2011، ومع هذا استمرّت الجماعات التكفيريّة في التوالد والانتشار وصولاً إلى ظهور مجموعة إرهابيّة أشدّ مثل «داعش». لذلك، فإنّ التحسّب في المرحلة المقبلة سيكون أعلى وأكثر حساسية لأنّنا لن نسمح بأن يتمكّن الإرهابيّون من بث الخوف والرعب في لبنان، ولن نسمح لهم بتهديد السلم والاستقرار.
مهمّة مكافحة إرهاب «داعش» و«النصرة» مسؤوليّة جسيمة في لبنان الذي يستضيف عدداً قياسيّاً من النازحين السوريين، والذين ثبت تغلغل انتحاريين وانغماسيين بينهم. لقد قمنا والجيش اللبناني بمهمّات استثنائيّة، نوعيّة واستباقيّة، حمت لبنان من مجازر في حق المدنيين، وبكلّ ما تعني كلمة المجازر من معنى. مخيّمات النازحين السوريين– ونحن هنا نقارب التحدّيات الأمنيّة مع التأكيد أنّ غالبية النازحين ضحايا العنف في بلدهم ولا يمكن التعاطي مع قضيّتهم من زاوية محض عسكريّة أمنيّة- تشكّل عبئاً أمنيّاً هائلاً، واستنزافاً على مدار الساعة. ذلك أنّ لبنان يستقبل عدداً من السوريين أكبر من الاتّحاد الأوروبي بأسره، مع عدد سكّان أقل من 1 % من الاتّحاد الأوروبي.
الصحيح والثابت أنّ أثر الحرب المباشرة في سوريا، وغير المباشرة في العراق، كان هائلاً ومتعباً، لا بل مضنياً، على المستويات كافّة الأمنيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والبيئيّة والانسانيّة حتّى. لكن يجب أن لا ننسى أنّنا أوّل مَن عانى من الإرهاب المتأسلم في أواخر عام 1999 في «سير الضنية» في شمال لبنان، ما أدّى إلى استشهاد ضابط في الجيش مع رفاقه، وذلك قبل أن تحصل اعتداءات 11 أيلول 2001 في الولايات المتّحدة الأميركيّة، صارت لنا مذ ذاك سيرة طويلة مع هذا الإرهاب وأدواته، بينما دول العالم بقيت حتّى عام 2015 حينما وضعت خطّة عمل تحت عنوان «منع التطرّف العنيف» تنفيذاً لاستراتيجيا الأمم المتّحدة لمكافحة الإرهاب، بينما تستخدم الولايات المتّحدة الأميركيّة والدول الأوروبيّة مصطلح «مكافحة التطرّف العنيف».
الاختلاف بين المصطلحَين في الحالة الأولى العمل على الوقاية من التطرّف، أي العمل الاستباقي، بينما في الحالة الثانية يعني استخدام الاجراءات الأمنيّة للحدّ من العنف. في الحالتَين الهدف منع الإرهاب وإن اختلفت الوسائل. نحن في لبنان، بتعاون وتنسيق كاملَين مع الجيش، وكذلك مع عدد من الدول الصديقة، نعمل على تحقيق الهدفَين. أي المنع والمكافحة لحفظ لبنان من كتلة النار الملتهبة منذ نحو ست سنوات.  

 

لدينا نشرة