مزرعة مشرف

80 % من أبنائها مغتربون
مزرعة مشرف

قرية بملامح خاصّة على تلّة يسكنها الهدوء

اعداد : نسرين جابر


هي بلدة نديّة بمعالمها وملامحها، أرضها نشدت العمق ونأت عن السطحيّة، وأرادت العمران وحافظت على إرثها وتكوينها القروي.. يمتزج فيها التاريخ والماضي بالحاضر والمستقبل، الإرث بالحداثة، والطبيعة بالعمران... فالبيوت الأثريّة القديمة التي تتداخل بالقصور والفلل المنتشرة على «مد عينك والنظر» في الأرجاء، تتحدّث كلّها عن بلدة ذات طابع خاص يسكنها الهدوء ويعمّ أرجاءها بالرّغم من «ازدحام» اغترابها وصيته اللافت والبارز الذي طاول 80 % من أبنائها...
مزرعة مشرف بلدة تتحدّث عن نفسها بنفسها، بطبيعتها، بموقعها، بتاريخها، بقصص أبنائها وانتشارهم ونجاحاتهم وشهرتهم، بوجوه فعالياتها والقيّمين عليها الذين يشمل اهتمامهم بها أدق التفاصيل وهو ما لمسناه أثناء التجوال في أحيائها وشوارعها ذات النظافة اللافتة...
«المغترب» حلّت ضيفة في بلدة مزرعة مشرف الجنوبيّة ذات المميّزات الفريدة التي تحدّث عنها أهلها في التحقيق التالية تفاصيله:

 


ساعتان من الوقت استغرقهما فريق «المغترب» للوصول إلى مزرعة مشرف التي تبعد عن العاصمة بيروت مسافة 91 كلم، ويتراوح ارتفاعها عن سطح البحر ما بين 376 و420 م، وتقع في قضاء صور، وتُعتبر ثاني أكبر بلدة في قرى القضاء من حيث المساحة الجغرافيّة بعد بلدة العباسيّة، وامتدادها الجغرافي يلامس حوالى 11 بلدة محيطة، أبرزها بلدتا محرونة وجويا في الشمال، عيتيت في الشمال الغربي، البياض ودير عامص في الجنوب، دير انطار في الشرق وغيرها


.. ثأر وإرث وتاريخ

ورد ذكر مزرعة مشرف في معظم الكُتب القديمة التي تحدّثت عن جبل عامل نظراً لأهميّة موقعها وتاريخها، منها كتب للسيّد محسن الأمين، الشيخ أحمد الزين وكتاب جابر آل صفا وغيرها، وقد أجمعت تلك المصادر على أنّ هذه البلدة كان يُطلق عليها اسم «البيّاض».
وتذكر الروايات عن البلدة، أنّ معركة دارت بين آل شكر وآل الأسعد الوائليين قضى خلالها آل شكر على آل الأسعد باستثناء امرأة حامل نجت وهربت إلى مدينة جبيل ومنها إلى حوران في سوريا حيث ولدت ابنها «مشرف» الذي شبّ ونشأ على الطلب بثأر أهله الذين اندثروا خلال تلك المعركة. فجمع أقاربه وأنصاره على هيئة حملة عسكريّة وأتى إلى البلدة، وبنى فيها منزلاً لا تزال آثاره موجودة حتّى اليوم، وشنّ مع أنصاره هجوماً على آل شكر وقتلوا عدداً كبيراً منهم، فاستبشر مشرف بالبلدة خيراً وحسّن منزله فيها ووسّعه. حينها كان يقيم في البلدة جماعة من آل سليمان، ونظراً لكون «البلد لا تحتمل وجود زعيمَين»- على حدّ زعم مشرف- جرت قرعة قسّمت المنطقة بموجبها إلى قسمَين: قسم جنوبي غربي وآخر شمالي شرقي، فكانت البلدة بموجب تلك القرعة من نصيب مشرف الذي حوّل اسمها إلى «مزرعة مشرف»، بينما ارتحل آل سليمان إلى منطقة «خربة البياض» المجاورة، ولا تزال مزرعة مشرف تحتضن في تربتها قبور أجداد آل سليمان.
لا يمكن الحديث عن مزرعة مشرف دون التوقّف عند هذه الرواية حول أصل التسمية التي يتداولها أبناء البلدة. وعن أبرز المحطّات في تاريخ «المزرعة» أشار ابن البلدة الدكتور أحمد أسعد في حديثه لـ «المغترب»، إلى أنّه في العهد العثماني وقبل الحرب العالميّة الأولى وصل إلى البلدة المطران «أفتيموس الأوّل»، وبنى فيها بيتاً لا يزال قائماً حتّى اليوم، وذلك بعد أن وقع اختيار خبراء إيطاليين عليها كان قد استدعاهم المطران لاختيار مكان إقامة مناسب له من حيث المناخ والمياه. وأضاف د. أسعد: «أنشأ هذا المطران مدافن جنب البيت ما زالت موجودة، وساهم في تكبير مساحات مزرعة مشرف. بعد وفاته تشرّد أبناء المزرعة التي بيعت إلى آل شام وآل طعمة، فانقسمت أراضي البلدة بين هاتَين العائلتَين، وعاد أبناء المزرعة المغتربون يشترون منهما الأراضي والأملاك».
من جهته، أضاف أحد أبناء وفعاليات البلدة وعضو مجلس بلدي سابق محمّد رملاوي في حديثه لـ «المغترب» أنّ «مزرعة مشرف اختيرت من قبل مشرف لأنّها أيضاً محصّنة طبيعيّاً وجغرافيّاً حيث تتربّع على رأس تلّة تحيط بها الأودية السحيقة والأحراج التي يستحيل اجتيازها، وبالتالي ليس لديها إلا مدخل واحد. كما أنّ ما يميّزها هو الهدوء الذي يلفّ أرجاءها، فهي ليست ممرّاً لبلدات أخرى، لا يأتي إليها إلا مَن يقصدها. وقال إنّه من بين أودية البلدة هناك وادٍ يُعرف بـ «وادي عاشور»، يربط البلدة ببلدات عديدة وصولاً إلى فلسطين، وكان يشكّل طريقاً للقوافل العابرة، وتقول الروايات إنّ السيّد المسيح مرّ بهذا الوادي متّجهاً إلى قانا حيث حصلت معجزته هناك. كما تنتشر في ذلك الوادي كهوف قديمة كثيرة تحدّث عنها المستشرقون.


اغتراب وشهرة وثقافة

مزرعة مشرف بلدة اغترابيّة بامتياز، تصل نسبة المغتربين من أبنائها إلى حوالى 80 %، ينتشر القسم الأكبر منهم في بلدان القارّة الأفريقيّة، بينما يتوزّع الباقون في الولايات المتّحدة الأميركيّة وغيرها، وقد اندمجت عائلات عريقة من أبناء البلدة في تلك المجتمعات، منها عائلة رجب (أفريقيا) التي لم يعد يوجد أحد من أبنائها في البلدة!! أبناء الحاج حسين حاوي، أقليّة من آل شومان، أولاد وأحفاد حسين وزني، 4 أطبّاء مشهورين في أميركا من آل مسلماني لا يعرفون لبنان وغيرهم... مقدّراً نسبة المغتربين الذين لم يعودوا واندمجوا في المجتمعات التي هاجروا إليها بحوالى 20 %. وفي هذا السياق، تابع د. أسعد لافتاً إلى أنّ تاريخ الاغتراب في مزرعة مشرف يعود إلى العام 1840، وأضاف: «في إحدى المرّات وخلال تواجدي في مدينة «ميشيغن» الأميركيّة، قصدتُ إحدى المقابر هناك حيث دُفن أحد أقاربي، ففوجئت بوجود مقابر تعود لـ 25 شخصاً من مزرعة مشرف، هم من المغتربين الأوائل الذين لا نعرف عنهم شيئاً».
وأكّد د. أسعد أنّ مغتربي البلدة يساعدون عائلاتهم وأقاربهم بواسطة التحويلات الماليّة، لكنّ الذي بدأ تنفيذ المشاريع في البلدة كان المرحوم الحاج عبد الله رملاوي الذي بنى أوّل حسينيّة فيها. كان رملاوي مغترباً في نيجيريا، هاجر بعد الحرب العالميّة الأولى إلى الأرجنتين، ومنها انتقل إلى نيجيريا حوالى العام 1940، وقد زار بلدته وكان شخصاً فاعلاً ومحبوباً من قبل أبناء البلدة جميعاً، ما شكّل حافزاً شجّع مغتربي مزرعة مشرف على المساهمة في دعم المشاريع التي يزمع تنفيذها في البلدة، و«للحقيقة لم يقصّروا أبداً في هذا المجال» على حدّ قول د. أسعد الذي تحدّث أيضاً عن اقتراح لإطلاق أسماء بعض شخصيّات البلدة على شوارع وطرقات ومعالم مهمّة فيها، منهم: الحاج عبد الله رملاوي، الشاعران ابراهيم حاوي والحاج علي وزني، وشخصيّات أخرى...
تجدر الإشارة إلى أنّ المغترب محسن حجيج يعمل وبدعم شخصي منه على مشروع لإنشاء جامعة «حرشة» ومستشفى على أراضٍ تابعة عقاريّاً لمرزعة مشرف.
وأكّد د. أسعد الذي وصف بلدته بأنّها «قطعة من الجنّة»، أنّ أبناء «المزرعة» هم بمعظمهم متعلّمون ويتبوّأون مراكز مهمّة سواء في لبنان أو الخارج، فهناك حوالى 40 طبيباً مغترباً ناجحاً حول العالم، منهم أشهر طبيب قلب د. أسامة وزني، الجرّاح د. محمّد حكيم، د. حسين وزني وشقيقه د. نبيل وغيرهم... كما أنّ هناك عدداً من المهندسين وآخرين يعملون في مجال الالكترونيات اشتُهر منهم وجيه محمّد محمود في أميركا الذي يُدرج اسمه باستمرار في كتاب «Who Is Who» الشهير، إضافة إلى عدد كبير من المثقفين وأساتذة الجامعات وغيرهم، منهم الخبير الاقتصادي د. كامل وزني...

نشاط بلدي فاعل

العمل البلدي في مزرعة مشرف ليس قديماً، فقد تأسّس أوّل مجلس بلدي فيها عام 2004، وكان أحمد حكيم أوّل رئيس للبلديّة لولايتَين متتاليتَين، تلاه الحاج عماد وزني الذي يرأس اليوم بلديّة مزرعة مشرف منذ العام 2016. هذا ما تحدّث عنه نائب رئيس البلديّة حسن علول لـ «المغترب»، لافتاً إلى أنّ المجلس البلدي الحالي يضمّ 9 أعضاء، وأضاف: «بالرّغم من أنّ ميزانيّة البلديّة كانت محدودة نسبيّاً على مدار الأعوام المنصرمة مقارنة مع غيرها من البلديّات الكبيرة، إلا أنّ البلدة تلحظ كمّاً من المشاريع المميّزة تصبّ كلّها في خدمة الأهالي». وتطرّق إلى المشاريع بتأكيد أنّ «مزرعة مشرف بلدة غنيّة بالمياه ولديها اكتفاء ذاتي، فقد أنجز المجلس البلدي الأوّل في البلدة مشروع بئر مياه ارتوازيّة، أمّا المجلس الحالي فيعمل على استكمال إنجاز مشروع بئر ارتوازيّة ثانية تمّ حفرها في نهاية ولاية المجلس السابق، كما أنشأنا شبكة مياه للقسم الغربي من البلدة التي تشكّل 48 % تقريباً من سكّان البلدة». وتابع: «نعمل أيضاً على استكمال مشروع تعزيز ملعب الـ Mini Football الذي تمّ إنشاؤه بدعم من القوّات الدوليّة وبمساهمة من المجلس البلدي السابق، لكنّنا اليوم نسعى لجعله مع المدرج بمثابة صرح رياضي يستقطب الجميع». وأردف قائلاً: «على مستوى الخدمات الاجتماعيّة، كانت لدينا مساهمات عديدة على صعيد التعليم والطب، وقدّمنا مساعدات لتحسين بيوت بعض أبناء البلدة. وأنجزنا أيضاً مشاريع عديدة من تعبيد طرقات، دعم جدران، حملات تشجير، كما عمدنا إلى توظيف عمّال من التابعيّة البنغلادشيّة لتوضيب وجمع النفايات في البلدة، بشكل يومي تقريباً، وفي الوقت نفسه وزّعنا مستوعبات النفايات على أبناء البلدة»، لافتاً إلى أنّ العمل حالياً جارٍ لبناء قصر بلدي جديد.
من جهته، أشار عضو المجلس البلدي علي وزني لـ «المغترب» إلى أنّ المبنى الجديد للبلديّة سيضمّ مستوصفاً وعيادة طبيب في الطابق الأرضي من البناء. متطرقاً إلى الخدمات الأخرى في البلدة كشبكة الهاتف والانترنت والكهرباء وغيرها، مؤكّداً أنّ مستوى تلك الخدمات جيّد.
وعن مستوى الجباية في مزرعة مشرف، قال وزني: «شهدت الجباية في البلدة تحسّناً ملحوظاً في الفترة الأخيرة، لأنّنا عملنا على تفعيلها في ظلّ تجاوب أبناء البلدة، ولا سيّما أنّنا في المجلس البلدي لا نمارس أيّة ضغوط على الناس ونذلّل العراقيل كلّها أمام عمليّة الجباية من خلال اعتماد التقسيط المريح بما يتناسب وإمكانات السكّان».

عمل اختياري
ومهرجانات رياضيّة
قبل تأسيس البلديّة، كان المختار في مزرعة مشرف يمثّل السلطة المحليّة ويتولّى القيام بأمور وشؤون البلدة.
الشاب الناشط والفاعل علي حسين وزني هو مختار البلدة حالياً، أكّد لـ «المغترب» أن لا وجود لإحصائيّة محدّدة لعدد أبناء المزرعة، الذين يتوزّعون على عائلات: وزني، حاوي، شومان، رملاوي، عبود، مسلماني، أسعد، حكيم، علول، علاء الدين، عسيلي، درويش...
ولفت وزني إلى أنّ معظم أبناء البلدة يعملون في مجال الزراعة خاصّة زراعة الزيتون التي اشتُهرت بها البلدة وبات زيتها يُعتبر من أفضل أنواع الزيوت في لبنان، حيث تُنتج مزرعة مشرف كميّة كبيرة جدّاً من الزيت والزيتون تصدّره إلى الخارج وإلى داخل السوق اللبنانيّة.
يخوض المختار الشاب علي حسين وزني، إلى جانب العمل الاختياري مجالات الخدمات الاجتماعيّة المتنوّعة، إلى جانب كونه رياضياً (لاعب مصارعة حرّة) ويولي النشاطات الرياضيّة أهميّة كبرى، وفي هذا السياق قال: «ننظّم في بلدتنا المهرجانات الرياضيّة بشكل دائم، وخصوصاً المصارعة الحرّة، الفوتبول، الـ «باسكيت» وغيرها... وقد ساهمت هذه الأنشطة في التعريف ببلدتنا بشكل أكبر، حتّى باتت اليوم تشكّل وجهة استقطاب لمعظم القرى والمدن». مشيراً إلى أنّ فرقاً عالميّة عريقة زارت مزرعة مشرف وتعرّفت إليها ولا سيّما من البرازيل، اليونان، أميركا، فرنسا، اليابان، المكسيك وغيرها... وقال: «من خلال تلك الأنشطة، نعكس صورة جميلة عن وطننا وشعبنا المتحضّر والثقافي والرياضي».

 

لدينا نشرة