علي ضاهر

سفير لبنان لدى ماليزيا
علي ضاهر:
لإفادة القطاع الخاص اللبناني من الفرص الاستثماريّة والاقتصاديّة المتوفّرة في ماليزيا


الحديث إلى السفير علي ضاهر، سفير لبنان لدى ماليزيا، أخذنا في طريق لم نَعتدْ على ارتياده في مُقابلاتنا الصحفيّة السّابقة التي دأبنا على إجرائها مع سفرائنا وقناصلنا في الخارج. فبحيويته ووضوح رؤيته ودقّة إجاباته وروحه الشاعريّة، التي يرفدها اختصاصه في الفلسفة وتجربته العميقة في السلك الديبلوماسي، فضلاً عن دماثة خلقه، لجأنا بقناعة منّا إلى تكييف أولويّات وأهداف المقابلة لنجعلها متناغمة مع الطبيعة المميّزة لصاحب المقابلة.
فمقابلتنا مع السفير ضاهر لم تنحصر فقط بالاستعلام عن وضع أبناء الجالية اللبنانيّة لجهة معرفة مجالات نشاطاتهم وإنجازاتهم والمشكلات التي يعانون منها وكذلك علاقتهم بسفارة بلدهم، ولم تتقيّد فحسب بالإطّلاع السريع على واقع العلاقات الثنائيّة وآفاق تطوّرها بين لبنان وماليزيا ودور السفير المعهود في توثيقها وتطويرها، بل تجاوزت ذلك لتتناول أيضاً المكوّنات الفلسفيّة والشاعريّة عند السفير ضاهر وتبيان أثرها العملي في سلوكه وعلاقاته المهنيّة والاجتماعيّة والعائليّة.
ولعلّ هذا اللقاء لم يكن ليتمّ، لو تلكّأنا بطلب المقابلة العاجلة معه، لأنّ التشكيلات الديبلوماسيّة التي جرت أخيراً شملته بها، حيث عُيّن سفيراً للبنان لدى أوكرانيا. فإليكم نص الحوار التالي:


(بادرناه بالسؤال): هل لنا ببطاقة تعريف عن شخصكم الكريم؟ وهل تولّيتم مناصب ديبلوماسيّة غير مركزكم الحالي؟ وأين؟
قبل التحاقي بالسلك الديبلوماسي في العام 1996، زاولتُ التعليم لسنوات خَلَت ودرّستُ مادّة الفلسفة العامّة في حينه في الثانويّات الرسميّة والخاصّة ودور المُعلّمين. في العام 1999، التحقتُ بمركز عملي الأوّل في سفارة لبنان في ليبيا. وفي العام 2001 تمّ نقلي إلى سفارة لبنان في الرياض وبقيتُ هُناك حتّى أوائل العام 2003، وهو تاريخ تعييني قنصلاً عاماً للبنان في ريو دي جانيرو (البرازيل) التي هي في نظري من أجمل مدن العالم، لحيازتها على عناصر الجمال الطبيعي والجذب السياحي كلّها. هناك تعلّمتُ اللغة البرتغاليّة. ومن دون مُبالغة، فإنّني أعتزّ بتجربتي في «الريو» لأنّني كنت على علاقة شديدة الوثوق بأبناء الجالية وبالمتحدّرين وكذلك مع السلطات الرسميّة في الولاية وأبناء المدينة الذين يُعرفون بـ (Carioca)، إضافة إلى أنّ تلك التجربة أكسبتني الخبرة القيّمة وهيّأتني للعمل والتكيّف في أي بلد آخر مهما كان مُختلفاً، لأنّني تواصلت وتفاعلت مع أكبر مجتمع اغترابي لبناني في العالم. مع الإشارة إلى أنّني نلتُ مجموعة أوسمة وميداليّات متعدّدة من السلطات البرازيليّة، أهمّها وسام مواطن شرف في مدينة ريو دي جانيرو عام 2006، ووسام التقدير Tiradentes المُقدّم من البرلمان المحلّي البرازيلي عام 2007. ولدى انتهاء مهامي في البرازيل، عُدت إلى بيروت وباشرت عملي في وزارة الخارجيّة في قسم الشؤون العربيّة. وبعد مدّة، تمّ تعييني سفيراً مُطلق الصلاحية للبنان لدى ماليزيا، والتحقتُ بمركز عملي في كوالالمبور في بداية شهر آذار من العام 2013. وقد مضى على مهامي في ماليزيا ما يناهز الأربع سنوات ونصف السنة، علماً أنّني كنتُ عميد السلك الديبلوماسي العربي من بداية العام 2017 حتّى نهاية شهر أيلول المنصرم. وفي جلسته المُنعقدة في 20/7/2017، قرّر مجلس الوزراء نقلي من ماليزيا وتعييني سفيراً مُطلق الصلاحية في أوكرانيا.
أخبرنا عن الجالية اللبنانيّة في ماليزيا، عددهم؟ مجالات عملهم؟ المُشكلات التي تواجههم؟
يبلغ عدد اللبنانيين المسجّلين في البعثة 500 شخص، وهم في الواقع مسجّلون تحت مسمّى الملّف العائلي، لكنّ عدد المقيمين فعليّاً هو تقريباً 100 عائلة. يتواجد أكثرهم في العاصمة كوالامبور، أمّا الآخرون فيقيمون في الولايات الماليزيّة البعيدة، ولا يعكس عدد المسجّلين الواقع العددي الفعلي كون بعضهم يقيم لأعوام عدّة أو يغادر من دون أن يُعلمنا، والبعض الآخر لا يتقدّم أصلاً للتسجيل باعتباره حاملاً للجنسيّة الأجنبيّة.
يعمل اللبنانيّون في قطاع المطاعم والتجارة الحرّة ووضعهم الاقتصادي عموماً متواضع، أكثرهم متزوّج من سيّدات ماليزيّات بهدف توفير الإقامة وتسهيل العمل. هناك قسم منهم يعمل في قطاع المجوهرات وقطاع النفط لكنّ أغلبهم يحملون الجنسيّة الأجنبيّة أو يعملون بها. يوجد عدد لا بأس به من العائلات اللبنانيّة التي أصبح لها شبه استقرار في ماليزيا، إمّا لأنّ بعضاً من أفرادها متزوّجون من سيّدات ماليزيات أو لأنّ أعمالهم التجاريّة ميسّرة وناجحة أو لأنّهم يختارون ماليزيا كبلد ثانٍ للإقامة.
لا ينتظم اللبنانيّون في نوادٍ أو جمعيّات على غرار دول الاغتراب نظراً لإقامتهم المتقطّعة في ماليزيا وعودتهم المفاجئة إلى لبنان، ولتباعد الاهتمامات المشتركة فيما بينهم. أمّا عدد الطلاب اللبنانيين فلا يتجاوز العشرين طالباً. وكي نُعزّز ونوطّد علاقتنا بأبناء الجالية لجأنا إلى بعض الخطوات، منها: تأسيس كيان معنوي من الأعيان والناجحين ليكون بوتقة لتداول المشاكل وعرض الحلول، وعليه بادرنا في العام 2013 إلى تأسيس «لجنة أعيان الجالية اللبنانيّة» في ماليزيا برئاسة فؤاد غندور، وهو رجل أعمال معروف ومشهود له بمناقبيته. حرصنا أيضاً على اللقاء الشخصي المباشر مع كلّ لبناني لديه مشكلة أو استيضاح أو شكوى بُغية تقديم المساعدة المطلوبة. راجعنا السلطات الماليزيّة بشؤون اللبنانيين الذين يتعرّضون لمشاكل سواء في موضوع الإقامة أو خلافات العمل أو أولئك الذين يتعرّضون لخداع وغش في معاملاتهم التجاريّة. لم نستثنِ أحداً من اللبنانيين من الدعوة إلى المشاركة في العيد الوطني وفي المناسبات الوطنيّة الأخرى. طلبنا من الموظّفين في البعثة الإسراع في إنجاز ومتابعة معاملات اللبنانيين بأفضل صورة. كنّا نبادر إلى إعلام اللبنانيين للتوّ بكلّ معلومة أو تعليمات تتعلّق بمصالحهم وحقوقهم فور ورودها من وزارة الخارجيّة، وخصوصاً المشاريع المتعدّدة التي أطلقتها الوزارة. ساهمنا بالترويج للمطاعم والمنتجات اللبنانيّة وقمنا برعاية أكثر من نشاط في هذا الصدد. أولينا الاهتمام للبنانيين السيّاح القادمين إلى ماليزيا، فكنّا نساعدهم، إن راجعونا، بالمعلومات الإرشاديّة الضروريّة. كذلك تابعنا باهتمام موضوع الطلاب، وقد استحصلنا على بعض المنح الجامعيّة من إحدى الجامعات الماليزيّة لكن لم يتقدّم أحد للاستفادة منها.
أمّا في ما خص مؤتمر الطاقة الاغترابيّة السنوي، فقد تمكّنا من دفع شخصَين مرموقَين إلى المشاركة هما: زوهراب استانبوليان- صناعي مرموق في عالم المجوهرات (تايلاند)، ومارون خوري المعروف بـ «جيري» وهو صانع السيّارة اليدويّة المعروفة (Bufori) في ماليزيا.
من جهةٍ أخرى، لم يتعرّض اللبنانيّون في ماليزيا إلى مشكلات ذات شأن، لكن كغيرهم من مواطني الدول الأخرى، يتعرّضون أحياناً إلى عمليّات احتيال وغش في معاملات التجارة الالكترونيّة وعقود العمل وأمور تتعلّق بالإقامة. يُذكر أنّ وجود الجالية اللبنانيّة في ماليزيا هو حديث ويرقى إلى التسعينيّات.
لو أردتَ أن تصف الجالية اللبنانيّة أو اللبنانيين المقيمين في ماليزيا بعبارة؟
هم نشيطون، مثابرون، طموحون، ويعتمدون على أنفسهم.
ما الامتيازات التي تمنحها ماليزيا للبناني؟
ليس هُناك من امتيازات أو معاملة تفضيليّة خاصّة باللبنانيين وحدهم، لكنّهم لا يحتاجون إلى تأشيرة دخول إلى ماليزيا وهم يُمنحون تأشيرة مجانيّة فور وصولهم إلى المطار لمدّة 3 أشهر، كما يستفيدون كسواهم من برنامج حكومي معروف باسم (Malaysia My Second Home) الذي يهدف إلى تسهيل الإقامة والانتقال والعمل والاستثمار للذين يرغبون في اتّخاذ ماليزيا بلداً ثانياً لهم (استثماريّاً)، شرط أن يدفعوا مقابل ذلك مبلغاً محدّداً من المال. علماً أنّ ماليزيا لا تمنح الجنسيّة لرعايا الدول الأخرى إلا في حالات خاصّة ونادرة جدّاً، وهي تمنحها فقط لأبناء الماليزيّة المتزوّجة من أجنبي وليس لزوجها.
بماذا تختلف ماليزيا عن غيرها من دول العالم ولا سيّما البلدان التي تضمّ جاليات لبنانية؟
تتميّز ماليزيا عن سواها من الدول التي تضمّ جاليات لبنانيّة ضخمة ببعض الخصائص مثل: لا تمنح الجنسيّة للمقيمين على أراضيها من الأجانب، بل توفّر نظام الإقامة الدّائمة لهم إذا شاؤوا. لا يحتلّ الشأن السياسي الأولويّة في حركة المجتمع الماليزي، بل إنّ قضايا الاقتصاد والتعليم والتنمية والأمن الاجتماعي هي الأساس. لا تسمح ماليزيا بإقامة أنشطة ذات طابع سياسي أو حزبي أو نقابي على أراضيها لرعايا الدول الأجنبيّة، إلا في حالات نادرة جدّاً. لا يشعر اللبنانيّون هنا بأي حاجة للانضواء في نوادٍ أو جمعيّات على غرار دول الاغتراب التقليدي أو دول الانتشار الأخرى. لا يوجد بين اللبنانيين هنا مَن له تأثير فاعل أو دور مهمّ في المجتمع الماليزي السياسي أو المدني، شأن بعض اللبنانيين في دول الاغتراب، لكنّ علاقاتهم جيّدة بالدولة والمجتمع عموماً. النظام السياسي لماليزيا قائم على الاعتدال واحترام التعدديّة العرقيّة وتقديم المواطنة على العرق والدين والاعتزاز بالكرامة الوطنيّة وحق الجميع بمزاولة حريّاتهم الشخصيّة في إطار القوانين، فضلاً عن أنّ الشعب الماليزي هو شعب مؤمن، متواضع، خلوق، متمسّك بعادات الاحترام ولا سيّما تقديره المميّز للملك والسلاطين وأبناء العائلة الحاكمة. لماليزيا تقدير واحترام كبيران في الأسرة الدوليّة وخاصّة بين مجموعة دول «آسيان» والدول العربيّة، وفي مقدّمتها الدول الخليجيّة ومعظم الدول الإسلاميّة، الأمر الذي يؤهّلها لإطلاق وساطات ومبادرات لحلّ النزاعات أو لعرض مقترحات في المحافل الاقليميّة والدوليّة، وغالباً ما تُقبل هذه المساعي ويُكتب لها النجاح الأكيد.
كيف تصف مناخ الاستثمار في ماليزيا؟ وهل تشجّع رجال الأعمال اللبنانيين على الاستثمار فيها؟
لا يوجد استثمارات لبنانيّة ذات أهميّة في ماليزيا ولا رجال أعمال كبار، لكن هناك بعض الشركات اللبنانيّة التي تصدّر منتجاتها على مستوى مقبول ولها وكلاء، مثل منتجات Patchi وCastania، وهناك مصدّرون آخرون في مجال المشروبات والعصائر والحبوب هم: سلام بيطار، مصباح سنّو، محمّد خالد سنّو، والياس دانيال.
أمّا مناخ الاستثمار في ماليزيا فهو مؤاتٍ جدّاً، كون ماليزيا هي بوّابة آسيا وهي مركز استقطاب عالمي للاستثمارات وتتميّز بنظام ضريبي جيّد واستقرار تشريعي وأمني فضلاً عن ضخامة السوق والمشاريع وجودة البنية التحتيّة. وأقترح في هذا المجال: مشاركة القطاع الخاص اللبناني في الإفادة من الفرص الاستثماريّة والاقتصاديّة المتوفّرة، ولا سيّما في مجال العقارات والبنى التحتيّة والتكنولوجيا وتأسيس الشركات، وخصوصاً الفرصة الاستثماريّة المتوفّرة في جزيرة LEBUAN الماليزيّة والمعروفة كأفضل(Offshore Financial Centre) وهي تقدّم منذ العام 1990 خدمات أعمال، ماليّة دوليّة، وخدمات في مجالات النفط والغاز. ضرورة قيام وفد من غرف التجارة والصناعة والزراعة في لبنان بزيارة إلى ماليزيا لتسويق الانتاج اللبناني، وكذلك توجيه الدعوة للمسؤولين في غرفة التجارة الماليزيّة ووزارة الاقتصاد لزيارة لبنان والتعاون في المجالات المشتركة، ولا سيّما في ما يخصّ التوصّل إلى صيغة موحّدة لدمغ  شعار «الحلال» على المنتجات اللبنانيّة، بهدف ترويج صادراتنا. تنظيم معارض تعرّف بالانتاج اللبناني على أنواعه وتساهم في تسويقه. دخول القطاع المصرفي مباشرة أو من خلال مكاتب تمثيليّة إلى ماليزيا. نقل الخبرات الأكاديميّة والتعليميّة من لبنان إلى ماليزيا عبر تأسيس فروع للجامعات اللبنانيّة الخاصّة المعروفة، وضخّ الكفاءات التعليميّة للتدريس في الجامعات الماليزيّة. التعاون في المجال الطبّي والجراحة التجميليّة. إقامة معارض خاصّة بالأزياء لمُصمّمين لبنانيين. بيع وترويج التطبيقات الالكترونيّة التي يملكها لبنانيون. إطلاق خطّة ترويج سياحي مدروسة تستهدف الزائر الآسيوي عموماً والماليزي والصيني خصوصاً.
هل لك أن تعطينا فكرة عن العلاقات اللبنانيّة- الماليزيّة؟
العلاقات بين البلدَين تتّصف بالاحترام والتعاون والصداقة. ويعود الفضل في توطيد هذه العلاقات إلى الرئيس الشهيد رفيق الحريري نظراً للعلاقة الخاصّة التي كانت تربطه بالشخصيّة الأبرز في ماليزيا وباني نهضتها، رئيس الحكومة الأسبق د. مهاتير محمّد، حيث زار لبنان في العام 1997 على رأس وفد رسمي من بينهم رجال الأعمال. على صعيدٍ متّصل، نال مهاتير محمّد عام 2012 جائزة الرئيس رفيق الحريري الدوليّة للمستوطنات البشريّة في حفل خاص أُقيم حينها في الأمم المتّحدة في نيويورك. وقد زار الرئيس الشهيد ماليزيا في العام 1998 على رأس وفد وزاري ورجال أعمال، تمّ خلالها توقيع اتفاقيّات ومذكّرات تفاهم وتأسيس مجلس للأعمال، كما زارها أيضاً في العام 2003 للمشاركة في مؤتمر منظّمة التعاون الاسلامي.  
على صعيد العلاقات الثنائيّة، هناك تبادل مستمرّ للترشيحات في مجالات مختلفة وبالأخص الـ (ICAO وIMO). تشارك ماليزيا بعدد من جنودها في عداد قوّات «اليونيفيل» العاملة في جنوب لبنان، وتخصّص مقعداً سنويّاً لضابط منتدب من الجيش اللبناني للدراسة في ماليزيا في كليّة الأركان، وتدعو لبنان لدورات تدريبيّة في مجالات مختلفة على مدار العام، كما توجّه دعوات للمشاركة في مؤتمرات وورش عمل تتكفّل ماليزيا غالباً بنفقاتها، إضافة إلى مساندة ماليزيا الدّائمة للبنان في المحافل الدوليّة ودعواتها لتطبيق قرارات الشرعيّة الدوليّة. يرتبط لبنان بحزمة اتفاقيات مع ماليزيا (عددها 9)، بعضها موقّع مُنجز وبعضها الآخر ينتظر المتابعة والتوقيع.
الصّادرات الماليزيّة بلغت عام 2016 (64,867,832 د. أ.)، في حين أنّ الصّادرات اللبنانيّة كانت (10,213,89 د. أ.).
لو خيّروك في أن تتولّى منصباً ديبلوماسيّاً في بلد آخر.. أي بلد تختار؟ ولماذا؟ أم أنّك تفضّل البقاء في ماليزيا؟
لكلّ ديبلوماسي، بلا شك، تمنّيات بأن يخدم في بلد يختاره ويلائمه لأسباب مختلفة تخصّه. لكن حقّ النقل والتعيين للموظّف هو أصلاً حقّ مُطلق للإدارة وعلى الديبلوماسي الامتثال والتقيّد بغضّ النظر عن ملاءمة البلد من عدمها له. أعتزّ بتجربتي في ماليزيا، هذا البلد الرّاقي المتقدّم والصديق للبنان، كما أعتزّ بما نسجتُه من علاقات مع المجتمع الماليزي. وبتغليب مفهوم المواطنة على كلّ ولاء آخر. وقد تجلّى احترام الماليزيين لدوري ودور بلدي بأن منحني سلطان ولاية بهانغ وسام التقدير الملكي، لقب «داتو» في العام 2016، وهو لقب قلّما يناله ديبلوماسي أجنبي أو عربي. ومن الأمور اللافتة، أنّ جدّ رئيس مجلس الوزراء الحالي نجيب رزاق كان أوّل ماليزي تابع دراسته في بداية الستينيّات في الجامعة الأميركيّة في بيروت، وهذا أمر يكرّره دائماً دولته باعتزاز أمامي كلّما سنحت فرصة رسميّة للقائه. وكما أنّني زاولت عملي بحماس وإرادة وتفانٍ في ماليزيا، أتطلّع إلى مزاولته كذلك في مركز عملي المُقبل في أوكرانيا.
متى تأسّست السفارة اللبنانيّة في ماليزيا؟ وكيف تصف لنا نشاطاتها؟ وهل تشكّل عامل جمع للبنانيين هناك؟
صدر مرسوم إنشاء السفارة في العام 1997 وتمّ افتتاحها رسميّاً في العام 2004. وللتذكير، فإنّ ماليزيا أسّست في بيروت عام 1968 مكتباً تجاريّاً Trade Office  حيث كان أوّل مكتب لها في الشرق الأوسط، وعيّنت آنذاك قنصلاً فخريّاً لها هو عمر الجندي. أمّا بالنسبة إلى دور السفارة ومجالات نشاطها، فقد حرصنا على أن نقدّمها كصورة ناصعة للبنان في علاقتها مع الدولة المضيفة وفي سرعة تلبية الخدمات لأبناء الجالية. وقد تمكّنا فعلاً من خلال خطّة وتصوّر، قرنتُهما بالممارسة الفعليّة، من التوصّل إلى المُرتجى وجعل السفارة بيتاً للبنانيين جميعاً، مُعزّزاً ارتباطهم بها وفيما بينهم.
ماذا عن عائلتك؟ هل تقيم معك وهل تأقلمتم مع الحياة في ماليزيا؟
نعم، أقيم هنا مع عائلتي المكوّنة من زوجتي دانيا وابنتيّ كارين وكارلا. أمّا ابني كارم فيتابع دراسته الجامعيّة في فرنسا حاليّاً. وقد تابعت ابنتاي دراستهما في المدرسة الفرنسيّة. وتتوفّر في ماليزيا مجمل شروط الحياة الكريمة والآمنة والمستقرّة، وكلّ يوم أكتشف شيئاً جديداً وجميلاً في هذا البلد.
رصدنا تذوّقكم للشعر وإصداركم أخيراً لديوان شعري.. هل لكم أن تحدّثونا قليلاً عن ذلك وتزوّدونا ببعض الأبيات؟
علاقتي بالشعر علاقة خاصّة، فأنا مأخوذ على الدوام بسموّ المعنى ودقّة التعبير وموسيقى الحروف وجمال الصورة حين التواصل والتعبير. وقد كانت الفلسفة كاختصاص، والديبلوماسيّة كمهنة، العاملَين الرافدَين لتعزيز النزوع الشعري عندي. فإذا كانت الفلسفة في إحدى معانيها هي دعوة إلى التأمّل ومزاولة الحكمة ومواءمة الذات مع فكرة الكمال، وإذا كانت الديبلوماسيّة نهجاً وطريقاً لإرساء السلام وخفض التوتّرات وتوثيق عُرى التواصل بين الناس والأمم وطمأنتهم، فإنّ هذه وتلك يتطلّبان حضور الكلمة الجميلة المُعبّرة والثريّة لبلوغ تلك الأهداف. ومَن أولى من الشعراء بحيازة الكلمة الدافئة صياغةً وتعبيراً؟
نعم، أصدرتُ أخيراً ديواناً في الشعر أسميته «خدين العُلا» إليكم بعض الأبيات:

 

لدينا نشرة